الفلم الوثائقي “إسبانيو المغرب بين الذاكرة والحاضر” يكشف: إسبان ولدوا مغاربة
بعد أكثر من ستة عقود على جلاء الاستعمار الإسباني عن شمال المغرب، ما زال صدى ذلك التاريخ يتردد في أصوات أبناء وأحفاد الذين اختاروا البقاء. لم يغادروا الأرض التي أصبحت جزءاً من ذاكرتهم ودمهم، فخرج جيلٌ يحمل في صدره هويتين، وفي لسانه لغتين، وفي قلبه انتماءً لا يعترف بالحدود.
وفي فيلم «إسبانيو المغرب بين الذاكرة والحاضر» الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية، تتجلى هذه الازدواجية بوضوح في شهادات أبناء العرائش وطنجة وتطوان وأصيلة.
وفي هذا الصدد قال أندريس، وهو من الجيل الثاني من المهاحرين، يتحدث بصوت هادئ وحاسم قائلا: «أنا إسباني ومغربي. إسباني لأنني ولدت لأب إسباني، لكن بعد زواجي من امرأة مغربية أصبحت مغربياً. اسمي عبد السلام مولا.”
ويضيف:” عندما تتزوج مغربية تختار اسماً مغربياً. أنا إسباني وأنا مسلم. جاء أبي إلى هنا وهو فتى يافع في الرابعة عشرة، ثم عاد إلى إسبانيا لأداء الخدمة العسكرية، وعاد مجدداً. ولأنه كان يجيد القراءة والكتابة، كلفوه بكتابة رسائل الجنود. وحين أنهى خدمته أسس عملاً… ونحن ما زلنا مستمرين في عمل أبي».
أما غابريلا، من الجيل الثالث، فترسم صورة أعمق للتداخل التاريخي: «أنا لا أعرف حقاً إن كنا مغاربة أم إسبان أم مزيجاً بين الاثنين. عليك أن تأخذ في الحسبان أن النصف الجنوبي من إسبانيا، من مدريد وما تحتها بقليل، عاش ثمانية قرون من التاريخ المشترك معنا. نحن في النهاية شعب واحد. أولئك الذين كانوا في الجنوب الآخر، شمال المضيق، أصبحوا الآن جنوبه. نحن متشابهون إلى حد كبير. أشعر بأنني مغربي لأنني نشأت هنا… العادات تتسرب إليك وتلتصق بك، طريقتك في الحياة وكل شيء. لكن دمي إسباني أيضاً. إنها ثنائية لا أستطيع أن أنكر أحد طرفيها».
ولا تعد هذه الشهادات مجرد ذكريات عائلية، بل وثيقة حية عن استمرار الروابط الإنسانية والثقافية التي تجاوزت لحظة الاستقلال السياسي. فبينما عاد آلاف الإسبان إلى بلادهم، بقي آخرون، وأسسوا حياة جديدة، وتزوجوا، وأنجبوا، وأصبح أبناؤهم وأحفادهم جزءاً أصيلاً من نسيج الشمال المغربي.
كما أن الفيلم لا يمجد الاستعمار ولا ينفيه، بل يسلط الضوء على ما بقي بعده: بشر يحملون في داخلهم ضفتين، ويتنقلون بينهما دون أن يشعروا بالغربة في أي منهما.
وفي زمن يرفع فيه البعض جدران الهوية الصلبة، تأتي أصوات أندريس وغابريلا وأمثالهما لتذكّر بأن التاريخ المشترك أقوى من الحدود، وأن الذاكرة يمكن أن تكون جسراً لا جداراً.



