وصية الشيخ وإمارة المؤمنين.. تسجيل من مجلس منير بودشيش يثير الجدل
تسجيل مسرب يقارن مشيخة الزاوية بانتقال العرش ويتحدث عن «الخروج من المالكية» ويربط الوطنية بمداغ.. وصمت المؤسسات يثير التساؤلات
يكشف تسجيل صوتي مسرب من داخل مجلس منير القادري بودشيش عن خطاب تجاوز حدود التصوف والتربية الروحية إلى الخوض في الملكية وإمارة ا
لمؤمنين والمذهب المالكي ومدونة الأسرة والوطنية، وذلك في سياق الدفاع عن «وصية الشيخ» وموقعه في النزاع القائم حول مشيخة الزاوية.
واللافت أن «المعلم»، الذي قدم نفسه باعتباره صاحب معرفة وفقه وتكوين أكاديمي، لم يكتف بالدفاع عن منير القادري بودشيش، بل ربط «وصية» داخل طريقة صوفية بمؤسسات الدولة، وأطلق أحكاما بشأن اختيارات المملكة الدينية، وقدم الزاوية باعتبارها مدرسة للوطنية وصاحبة فضل في التعريف بالمغرب عالميا.
«وصية الشيخ» والملكية.. مقارنة يسقطها الدستور
وتبرز أخطر لحظات التسجيل عندما يستحضر المتحدث نقاشا يقول إنه جمعه بمسؤول في الدولة، قائلا: **«إذا أبطلت الوصية ديال سيدنا الشيخ، راه ضربتو في مؤسسات إمارة المؤمنين»**، قبل أن يعتبر «الوصية مقدسة» ويقارنها بما يسميه «الوصية الملكية»، مستحضرا اعتلاء الملك محمد السادس العرش وكأن انتقال مشيخة زاوية وانتقال عرش المملكة يخضعان للمنطق نفسه.
غير أن الفصل 43 من الدستور واضح في أن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل **بالوراثة** وفق الترتيب الدستوري، فيما يحدد الفصلان 41 و42 مكانة الملك بصفته أمير المؤمنين ورئيس الدولة ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها. فالعرش لا تحكم انتقاله «وصايا المشيخة»، ولا يمكن قياس نظام ملكية دستورية على صراع حول من يتولى مشيخة زاوية.
وتبرز مفارقة أخرى عندما يتحدث «المعلم» عن ذكرى وفاة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه قائلا: **«نهار الاثنين درنا الذكرى ديال الحسن الثاني…»**، مستحضرا اسمه مجردا من صفته الملكية وعبارات الترحم المعتادة، في الوقت الذي تتكرر فيه عبارات التبجيل والتعظيم عند الحديث عن الشيخ ومنير القادري بودشيش.
من «الخروج عن المالكية» إلى احتكار الوطنية
ويمتد الخطاب إلى مدونة الأسرة، حيث يتحدث المتدخل عن خروج الدولة من المذهب المالكي إلى المذهب الحنفي، وهو توصيف يصطدم باستمرار المالكية ضمن ثوابت الحقل الديني المغربي، فضلا عن أن الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين ورئيس المجلس العلمي الأعلى، أحال المسائل المرتبطة بنصوص دينية خلال مراجعة مدونة الأسرة على المجلس لإبداء الرأي الشرعي بشأنها في إطار الاجتهاد ومقاصد الشريعة.
ومن ثم، فالاختلاف الفقهي مشروع، لكن تقديم الاجتهاد المؤسساتي للدولة باعتباره خروجا عن المذهب المالكي يطرح سؤالا حول الصفة التي تخول لـ«معلم» داخل مجلس في مداغ إصدار حكم بهذه الخطورة على الاختيارات الدينية للمملكة.
ويأخذ التسجيل منحى آخر عندما يقدم الزاوية باعتبارها مدرسة للوطنية، بطريقة توحي بأن المرور عبر مداغ يمنح صاحبه نصيبا خاصا من حب الوطن. والحال أن الوطنية ليست ملكا لمنير القادري بودشيش ولا لأتباعه ولا لأي زاوية، ولا يحتاج المغربي إلى شيخ للحصول على «شهادة» تثبت وطنيته.
كما يقدم الخطاب الزاوية باعتبارها صاحبة فضل كبير في التعريف بالمغرب عالميا. ولا أحد ينكر الدور التاريخي والروحي للزوايا المغربية، لكن اختزال إشعاع دولة بتاريخها ومؤسساتها ودبلوماسيتها وثقافتها وعلمائها واقتصادها وجاليتها في زاوية واحدة يقلب الأدوار؛ **فالزاوية جزء من المغرب، وليس المغرب فرعا من الزاوية**.
من هو «المعلم»؟
وتعيد طبيعة هذا الخطاب إلى الواجهة معطيات متداولة تربط صاحب المداخلة بمسار سابق داخل جماعة العدل والإحسان، ما يطرح أسئلة حول هويته ومساره الديني والتنظيمي، وما إذا كان قد انتمى بالفعل إلى الجماعة قبل وصوله إلى موقع يسمح له بإلقاء مثل هذه الدروس في محيط منير القادري بودشيش.
وتظل هذه المعطيات، في غياب وثيقة مستقلة تثبتها، بحاجة إلى التحقيق والتوثيق، خصوصا بالنظر إلى طبيعة الأفكار السياسية والدينية التي حملها التسجيل.
الزاوية ليست دولة.. وصمت المؤسسات يثير التساؤلات
إن خطورة التسجيل لا تكمن في عبارة منفردة، بل في الخيط الذي يجمع أجزاءه: الدفاع عن «وصية الشيخ» يتحول إلى استدعاء الملكية وإمارة المؤمنين والمذه
ب المالكي ومدونة الأسرة والوطنية لتقوية موقع طرف داخل صراع على المشيخة.
وهنا ينبغي إعادة الأمور إلى حجمها الطبيعي: **الشيخ ليس مؤسسة دستورية، والزاوية ليست دولة، و«وصية الشيخ» ليست نصا دستوريا، ومحبة الشيخ ليست معيارا للوطنية، وإمارة المؤمنين ليست ورقة لحسم صراع على المشيخة**.
ومع توالي هذه التسجيلات، يثير غياب أي موقف معلن، إلى حدود كتابة هذه السطور، من السلطات والمؤسسات الدينية المختصة تساؤلات لدى متتبعي القضية، خصوصا أنه لم يعلن عن فتح بحث من الجهات الأمنية أو النيابة العامة والقضاء بشأن ما ورد فيها، رغم تضمنها حديثا عن إمارة المؤمنين وربطا بين «وصية» شيخ ومؤسسات الدولة وأحكاما بشأن المذهب المالكي.
ولا يعني عدم الإعلان عن تحقيق عدم وجود تحر أو بحث غير معلن، لكن اتساع الجدل يجعل الحاجة إلى توضيح مؤسساتي أكثر إلحاحا، للتحقق مما قيل وسياقه وتحديد ما إذا كان يدخل ضمن حرية التعبير والخطاب الديني أم يتجاوز ذلك إلى ما يستدعي تدخل الجهات المختصة.
فالخلاف على مشيخة مداغ، مهما اشتد، يبقى خلافا داخل زاوية، ولا يمنح أي شيخ أو مريد أو «معلم» الحق في تحويل “الملكية وإمارة المؤمنين والدستور والمذهب المالكي والوطنية” إلى أوراق في معركة حول من يكون الشيخ.



