معركة إغزار ن ووشن 1909.. كيف اصطدمت أطماع إسبانيا في معادن الناظور بمقاومة الريف؟

معركة إغزار ن ووشن 1909.. كيف اصطدمت أطماع إسبانيا في معادن الناظور بمقاومة الريف؟
ناظورسيتي: أيوب الصابري

لم تبدأ قصة إغزار ن ووشن من ساحة المعركة، بل سبقتها تحولات اقتصادية وعسكرية ارتبطت بتوسع النفوذ الإسباني في محيط مليلية المحتلة وسعي المصالح الإسبانية إلى الوصول إلى الموارد المعدنية في الريف. وفي منطقة قلعية، تداخلت مشاريع المناجم والسكك الحديدية مع صراع أوسع حول الأرض والنفوذ والسيادة.

وتعود جذور المشروع المنجمي الإسباني إلى سنة 1907، عندما تعرف كليمنتي فرنانديز غونزاليس، أحد مؤسسي شركة المناجم الإسبانية للريف، خلال إقامته بمليلية على وجود مكامن للحديد في منطقة قلعية، على بعد نحو 20 كيلومترا من المدينة. وبعد مفاوضات مع الثائر الجيلالي الزرهوني، المعروف بـ”الروغي بوحمارة”، الذي كان يفرض نفوذه على المنطقة في مواجهة سلطة السلطان، جرى في 16 دجنبر 1907 توقيع عقد للتفويت والاستغلال مقابل 160 ألف بيزيتا من العملات الفضية.




وأعقبت ذلك دفعة ثانية بقيمة 250 ألف بيزيتا في يناير 1908، ما سمح بوضع اليد على المنطقة المنجمية والشروع في تحديد حدودها. وفي 14 مارس من السنة نفسها، تأسس “الاتحاد الإسباني لمناجم الريف” (Sindicato Español de Minas del Rif)، بالتزامن مع التعاقد على مشروع خط للسكك الحديدية بهدف ربط المنطقة المنجمية بمحيط مليلية.

وفي 21 يونيو 1908، تأسست “الشركة الإسبانية لمناجم الريف” (Compañía Española de Minas del Rif – CEMR) برأسمال بلغ 6 ملايين بيزيتا، بمشاركة كليمنتي فرنانديز، وهنري ماكفرسون، وألفارو وغونزالو فيغيروا، وخوان أنطونيو غويل. ومع توسع المشروع المنجمي وشبكة النقل المرتبطة به، تصاعد التوتر مع القبائل المحلية، خصوصا مع ارتباط النشاط الاقتصادي بتوسع الحضور الإسباني في المنطقة.

وجاء ذلك في سياق إقليمي كانت فيه القوى الأوروبية تعزز نفوذها في شمال إفريقيا، قبل إقرار نظام الحماية على المغرب سنة 1912. وكانت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية تتقاطع في منطقة الريف، فيما أخذت المشاريع المرتبطة بالمناجم والطرق وخطوط النقل بعدا يتجاوز النشاط التجاري نحو دعم الحضور الإسباني المتنامي.

وفي مقدمة المقاومة المحلية برز محمد أمزيان، الذي أصبح أحد أبرز قادة المواجهة المسلحة ضد التوسع الإسباني في محيط مليلية. وانخرطت مجموعات وقبائل من قلعية في مقاومة التمدد الإسباني، في وقت كانت فيه حماية المصالح المرتبطة بالمشاريع المنجمية وخطوط النقل تتطلب حضورا عسكريا متزايدا.

وبالتوازي مع ذلك، مثلت مرتفعات كوروكو، المطلة على مليلية المحتلة، موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية. فقد أتاح موقعها الإشراف على محيط المدينة ومجال العمليات العسكرية والطرق المؤدية إلى المنطقة المنجمية، ما جعل السيطرة عليها جزءا أساسيا من الصراع المتصاعد.

وفي 27 يوليوز 1909، بلغت المواجهة ذروتها في إغزار ن ووشن، المعروفة في المصادر الإسبانية باسم “Desastre del Barranco del Lobo”. واستفاد المقاتلون الريفيون من معرفتهم بالتضاريس والمرتفعات في مواجهة القوات الإسبانية التي تقدمت في المنطقة، لتنتهي المعركة بخسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسباني، من بينها مقتل الجنرال غييرمو بينتوس.

وتختلف حصيلة الخسائر بحسب المصادر التاريخية، إذ تشير تقديرات إلى مقتل 153 عسكريا وإصابة نحو 599 آخرين، بينما تورد روايات أخرى أرقاما أعلى (180 قتيل وأكثر من 1000 جريح). وتظل المعركة واحدة من أبرز الهزائم التي تعرضت لها القوات الإسبانية خلال حرب الريف في تلك المرحلة.

وفي إسبانيا، تزامنت المعركة مع أزمة اجتماعية وسياسية متصاعدة بسبب قرار تعبئة جنود الاحتياط وإرسالهم إلى المغرب. وكانت الاحتجاجات في برشلونة قد بدأت في 26 يوليوز، أي قبل معركة إغزار ن ووشن بيوم واحد، ثم تواصلت خلال الأيام التالية في ما عرف تاريخيا بـ”الأسبوع المأساوي”، مخلفة عشرات القتلى ومئات الجرحى.

ولم ينته الصراع بانتهاء معركة 1909. فقد واصلت إسبانيا توسيع نفوذها العسكري في المنطقة، بينما دخل النشاط المنجمي لاحقا مرحلة أكثر تنظيما. وفي سنة 1914 بدأت شركة المناجم الإسبانية للريف تصدير خام الحديد، لتتحول المنطقة تدريجيا إلى مركز لنشاط اقتصادي واسع ارتبط بميناء مليلية المحتلة وشبكة السكك الحديدية.

وبعد أكثر من قرن، تظل إغزار ن ووشن محطة بارزة في تاريخ المقاومة بالريف، ليس فقط باعتبارها مواجهة عسكرية دامية، وإنما أيضا باعتبارها حلقة في سياق أوسع تداخلت فيه المصالح الاقتصادية والمشاريع المنجمية والسكك الحديدية مع التنافس على الأرض والنفوذ. وفي هذا السياق، برز كوروكو كأحد المواقع الاستراتيجية التي اكتسبت أهمية خاصة في الصراع حول محيط مليلية والريف.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *