محاكم تفتيش رقمية ضد محمد الفايد.. حين يحارب المتطرفون الأشخاص بدل مناقشة الأفكار

محاكم تفتيش رقمية ضد محمد الفايد.. حين يحارب المتطرفون الأشخاص بدل مناقشة الأفكار
ناظورسيتي: أيوب الصابري

لم يعد الجدل المحيط بالدكتور محمد الفايد مجرد نقاش حول تدوينة أو عبارة أثارت اعتراضا واسعا، بل تحول إلى سجال أكبر حول حدود الاختلاف، وحق طرح الأسئلة، والكيفية التي ينبغي أن يتعامل بها المجتمع مع الأفكار التي يعتبرها البعض صادمة أو مخالفة لما هو شائع.

الواقعة بدأت بمنشور تناول فيه الفايد مفهوم أمية الرسول محمد، قبل أن يعدل الصياغة ويحذف لفظا أثار حساسية كبيرة، ويؤكد لاحقا أنه لم يقصد وصف الرسول بالجهل، وأن كلامه كان مبنيا على سياق افتراضي ولغوي محدد.




يمكن لأي شخص أن يرفض هذا التفسير، وأن يعتبر صياغة الفايد غير موفقة أو حتى مسيئة. ويمكن للعلماء والباحثين أن يردوا عليه من داخل التراث الديني واللغوي، وأن يقدموا الأدلة التي يرونها حاسمة. هذا هو جوهر النقاش الطبيعي: فكرة مقابل فكرة، وحجة مقابل حجة. لكن الإشكال يبدأ عندما ينتقل النقاش من تفنيد الكلام إلى استهداف صاحبه، أو عندما يصبح الاختلاف مع رأي سببا كافيا للمطالبة بإسكاته أو معاقبته.

ليس مطلوبا من المجتمع أن يتفق مع محمد الفايد، كما أن شهرة الشخص أو صفته العلمية لا تمنحه حصانة من النقد. بل على العكس، كلما كانت الفكرة متعلقة بالدين أو العلم أو الصحة أو قضايا تمس حياة الناس، أصبحت الحاجة إلى النقد الصارم والتدقيق أكبر. لكن النقد الصارم شيء، والتشهير والدعوة إلى المحاكمة شيء آخر.

يمكن القول إن الفكرة خاطئة، ويمكن تفكيك مصادرها، وبيان تناقضاتها، واستدعاء أقوال العلماء المتخصصين للرد عليها. أما اختزال صاحبها في أوصاف جارحة أو تحويل النقاش إلى حملة لإسقاطه اجتماعيا، فلا يقدم للقارئ جوابا علميا عن السؤال الأصلي.

وهنا تكمن المفارقة: إذا كان أصحاب الرأي المخالف مخطئين فعلا، فإن أقوى وسيلة لإثبات خطئهم ليست إسكاتهم، وإنما إظهار الخلل في حججهم أمام الجمهور.

من ابن رشد إلى زمن المنصات الرقمية



التاريخ مليء بالأمثلة على أفكار واجهت مقاومة شديدة في زمنها، قبل أن تصبح لاحقا موضوعا للبحث والنقاش والتقييم. واستحضار ابن رشد في هذه القضية لا يعني وضع محمد الفايد في مقامه العلمي أو الفكري، فالمقارنة الشخصية ليست هي المقصودة.

المقصود هو ملاحظة نمط متكرر، حين يصبح الشخص هو القضية بدلا من الفكرة، يتراجع النقاش الحقيقي.

والفرق بين مجتمع يحترم المعرفة ومجتمع يخاف من الأسئلة لا يكمن في عدد الأفكار المتفق عليها، وإنما في قدرته على التعامل مع الأفكار المختلف حولها دون تحويل كل نقاش إلى معركة إقصاء.

إذا كان المجتمع يريد حماية الدين من الأفكار التي يعتبرها خاطئة، فإن الطريق الأكثر إقناعا هو تقوية الخطاب العلمي والديني القادر على الرد والتفسير والإقناع، لا الاكتفاء بوصف المخالف أو المطالبة بإسكاته.

أما تحويل كل سؤال إلى إساءة، وكل إساءة محتملة إلى جريمة، وكل خلاف إلى حملة تشهير، فإنه يخلق بيئة يخشى فيها الناس السؤال أكثر مما يبحثون عن الإجابة.

وهذا تحديدا هو الدرس الذي يستحق أن يخرج به المجتمع من قضية محمد الفايد، يمكن أن نختلف معه بشدة، ويمكن أن ننتقده بلا هوادة، لكن قوة الرد على الفكرة لا تقاس بقدرتنا على إسكات صاحبها، وإنما بقدرتنا على إقناع الناس بخطئها. فالمجتمع الذي يملك الحجة لا يحتاج إلى الخوف من السؤال.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *