من “ماري” إلى “محمد”.. أسماء المواليد تكشف تحولات المجتمع الفرنسي
شهدت أسماء المواليد في فرنسا خلال القرنين الماضيين تحولات عميقة، انتقلت بها من الارتباط الوثيق بالتقاليد المسيحية والعائلية إلى أن أصبحت مرآة للتغيرات الديموغرافية والثقافية والاجتماعية التي عرفها المجتمع. فبعدما كانت الأسماء المستمدة من التقويم المسيحي تهيمن على اختيارات الأسر، بدأت أسماء ذات أصول إقليمية وأجنبية في الظهور بقوة، متأثرة بالهجرة والانفتاح الثقافي وتغير الأذواق. ويبرز صعود الأسماء العربية والإسلامية كأحد أبرز مظاهر هذا التحول، إذ ارتفعت حصتها من مجموع الأسماء المسجلة من 2.24 في المائة سنة 1960 إلى نحو 12 في المائة سنة 2020، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية.
ويظهر هذا التغير بشكل أكثر وضوحاً في بعض المناطق الحضرية، خصوصاً إقليم سين-سان-دوني شمال شرق باريس، حيث تصدر اسم «محمد» قائمة أسماء الذكور الأكثر انتشاراً سنة 2025، متبوعاً بأسماء آدم وإبراهيم وعيسى وعمران، بينما جاءت «عناية – إينايا» في مقدمة أسماء الإناث، أمام مريم وفاطمة ونور. وفي المقابل، ظل تأثير الأسماء الآسيوية أكثر محدودية، إذ اختار عدد من أبناء المهاجرين الصينيين والفيتناميين والكمبوديين أسماء فرنسية، بما يعكس اختلاف مسارات الاندماج الثقافي بين مختلف مكونات المجتمع الفرنسي.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، اتسع التنوع ليشمل أسماء ذات جذور إقليمية، خصوصاً من بريتاني وكورسيكا، مثل لويك ورونان وتانغي ويان ونولوان وإنورا ومايوين، قبل أن ينتشر بعضها على نطاق وطني. وفي الوقت نفسه، تركت الثقافة الأمريكية بصمتها على اختيارات الأسر الفرنسية، حيث بلغ اسم «كيفن» ذروة شعبيته سنة 1991 بأكثر من 14 ألف مولود، متأثراً جزئياً بالسينما الأمريكية، قبل أن تتراجع شعبيته لاحقاً، كما حدث مع أسماء أخرى مثل ديلان وأنتوني وجينيفر وجيسيكا. ومع بداية الألفية، ظهرت أسماء مثل ليام وإيثان ونوح وإيفان ولوغان، إلى جانب إيميلي وليلي وميلا، في استمرار لتأثير العولمة والثقافة الأمريكية.
وبذلك، لم تعد أسماء المواليد في فرنسا مجرد اختيار عائلي أو مسألة مرتبطة بالذوق الشخصي، بل أصبحت مؤشراً دالاً على التحولات التي يعرفها المجتمع. ويرى فوكيت أن هذا التنوع يعكس ما يسميه «أرخبلة» المجتمع الفرنسي، أي تعدد هوياته وانتماءاته الثقافية والدينية والإقليمية. فإذا كان الاسم في الماضي وسيلة لإدماج الطفل داخل امتداد عائلي أو ديني، فإنه أصبح اليوم أداة للتعبير عن الفردية والهوية والانتماء. ومن هذه الزاوية، تكشف خريطة الأسماء، من «ماري» إلى «محمد»، جانباً من فرنسا المتغيرة، حيث تتداخل الهويات والثقافات لتعيد رسم ملامحها الديموغرافية والاجتماعية.



