بعد أكثر من 200 ألف وفاة.. أوروبا تواجه اختبارا جديدا مع موجة حر استثنائية
تستعد عدة دول أوروبية لاستقبال موجة جديدة من الحرارة المرتفعة ابتداءً من يوم الثلاثاء، بعد أسابيع قليلة فقط من موجة سابقة أثرت على أجزاء واسعة من القارة، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الصحية من التداعيات المتكررة للظواهر المناخية المتطرفة.
وتحذر الهيئات الصحية من أن درجات الحرارة القياسية لم تعد حدثاً استثنائيا، بل أصبحت أكثر تكرارا واستمرارا، ما يفرض تحديات متزايدة على أنظمة الرعاية الصحية والبنية التحتية في مختلف الدول الأوروبية.
وأشارت المنظمة إلى أن صيف هذا العام وحده شهد تسجيل نحو 10 آلاف وفاة إضافية مرتبطة بموجات الحر في خمس دول أوروبية، وهي أرقام أولية تعكس حجم التأثير المتنامي للتغيرات المناخية على الصحة العامة.
وتبقى الفئات الأكثر عرضة للمخاطر هي كبار السن، والأطفال، والمصابون بالأمراض المزمنة، إلى جانب الأشخاص الذين يعيشون في مساكن غير مجهزة للتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة، وهو ما يؤدي أيضاً إلى زيادة الضغط على أقسام المستعجلات والمرافق الصحية خلال فترات الذروة.
وفي المقابل، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن جزءا كبيرا من هذه الوفيات يمكن الحد منه عبر تعزيز إجراءات الوقاية، من خلال تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتوفير فضاءات خضراء داخل المدن، وتحسين الولوج إلى المياه، مع إيلاء اهتمام خاص بحماية الفئات الأكثر هشاشة.
ومع تصاعد موجات الحر، عاد النقاش بقوة داخل أوروبا حول توسيع استخدام أجهزة التكييف، بعدما ظل انتشارها محدودا لعقود بسبب اعتدال المناخ في معظم بلدان القارة.
وباتت هذه الأجهزة تُطرح اليوم باعتبارها وسيلة لحماية السكان من الحرارة القصوى، غير أن توسيع استخدامها يثير في المقابل مخاوف مرتبطة بارتفاع استهلاك الطاقة وتأثيره على البيئة والانبعاثات الكربونية.
وفي فرنسا، تحول هذا الملف إلى أحد المواضيع المطروحة في النقاشات السياسية التي تسبق الانتخابات الرئاسية المرتقبة سنة 2027، حيث تتباين المواقف بين مؤيد لتوسيع الاعتماد على التكييف، وداع إلى التركيز على حلول بديلة، مثل تحسين عزل المباني، وتوسيع المساحات الخضراء، وإعادة تصميم المدن بما يتلاءم مع المناخ الجديد.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 20 في المائة فقط من الأسر الأوروبية تتوفر حاليا على أجهزة تكييف، وهي نسبة تقل كثيرا عن مثيلاتها في أمريكا الشمالية وعدد من الدول الآسيوية. غير أن توقعات الوكالة الدولية للطاقة ترجح ارتفاع عدد وحدات التكييف في الاتحاد الأوروبي إلى نحو 275 مليون وحدة بحلول سنة 2050، أي أكثر من ضعف العدد المسجل سنة 2019.
ويرى خبراء أن أوروبا أصبحت مطالبة بإعادة النظر في معايير البناء وسياسات التخطيط الحضري وآليات التكيف مع التغير المناخي، خاصة وأن جزءا كبيرا من المباني الحالية صمم للاحتفاظ بالحرارة خلال فصل الشتاء، وليس لمواجهة صيف بات أكثر حرارة وطولا، في ظل توجه القارة نحو اعتماد استراتيجية جديدة لتعزيز قدرتها على الصمود أمام المخاطر المناخية خلال السنوات المقبلة.



