رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ28)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

كانت ليلة المستشفى في فرنسا طويلة وثقيلة، لكنّها لم تكن تشبه ليالي المستشفيات التي عرفتها زينب من قبل. هنا، كل شيء مضاء، منظم، مرتب، والوجوه التي تتحرك حولها تضع على ملامحها ابتسامات مهنية وتطلق كلمات تشجيع بلغةٍ ما زالت لا تفهمها إلا نصف فهم. بين طلقة وأخرى، كانت تمسك بيد محمد، تلتقط من عينيه ما يكفي لتتذكّر أنها ليست وحدها هذه المرة.

ولدَت الطفلة مع أول خيوط الفجر، صرختها حادة، تقطع الهواء المعقم في الغرفة. حين وضعوها على صدر زينب، شعرت المرأة أن جسدها، الذي أقنعوها يومًا بأنه “عقيم”، صار مرّة واحدة على الأقل شاهدًا على حياةٍ خرجت منه. دموعها اختلطت بعرقها، ولم تعد تعرف لأيّهما تنتمي: لفرحٍ ثقيل أم لحزنٍ قديم.

محمد، واقف قرب السرير، ينظر إلى الصغيرة وكأنّه اكتشف للتوّ معنى كلمة “ابنتي”. مدّ إصبعه، لامس كفّها الدقيقة، فانغلقت عليه تلقائيًا، كأنها تقول له: “ها أنا هنا. أمسِك بي.”
في لحظة هدوءٍ قصيرة بعد الولادة، بين فحصٍ وتمريض، همست زينب بصوتٍ منهك:

ـ يجب أن أخبر يونس.

التفت إليها محمد، في عينيه ترددٌ غير خاف:

ـ دعيه يستريح اليوم…

ـ لا. يجب أن يسمع صوتها، أن يعرف أنّ له أختًا في هذا العالم. حتى لو لم يرَها الآن.

في المساء، وهي في غرفتها بالمستشفى، الطفلة نائمة قربها في سريرٍ صغير من البلاستيك الشفاف، أخذت هاتفها. قلبها يخفق بنوعين من النبض: نبض أمٍ جديدة، ونبض أمٍ قديمة تحمل في صدرها اسمًا آخر. ضغطت على رقم يونس المسجّل عندها، انتظرت.

الرنّة الأولى… الثانية… الثالثة. لا جواب. تكرّر المحاولة. الهاتف يرنّ، ولا أحد يلتقطه.

قال محمد محاولاً التخفيف:

ـ ربما هو في المدرسة… أو ترك الهاتف في مكانٍ آخر.

ـ سأتصل مرة أخرى في الليل.

حين أرخى الليل ستاره على المدينة الفرنسية، عادت للمحاولة. هذه المرة، جاءها صوت المجيب الآلي البارد: “الرقم الذي تحاولون الاتصال به غير متاح”. شعرت بوخزٍ حادّ: ليس في كل الولادات يكون “النداء الأوّل” متاحًا.

ترددت قليلاً، ثم ضغطت على رقم فاطمة. كانت قد تهرّبت من الاتصال بها طويلاً، تفاديًا لسؤال المال والعجز. الآن، لم يعد بإمكانها أن تتأخر أكثر؛ ابنها لا يجيب، والطريق إلى صوته يمرّ بجارتها القديمة.

ردّت فاطمة بعد رنّات، صوتها يحمل شيئًا من المفاجأة والتردّد:

ـ ألو…

ـ فاطمة… أنا زينب.

صمتٌ قصير في الطرف الآخر، ثم تنفّسٌ عميق:

ـ أخيرًا… تذكّرتِ الرقم.

تلقت زينب الجملة كصفعةٍ رقيقة لكنها مستحقة. حاولت أن تتجاوزها:

.كيف حالك؟ كيف الأولاد… وكيف يونس؟

جاء الجواب كمن يزيل ضمادةً عن جرحٍ تأخّر كشفه:

ـ يونس… لم يعد عندي.

تصلّبت أصابع زينب على الهاتف:

ـ ماذا تقولين؟

ـ لم أعد أستطيع… انقطع المال، وثقلت المسؤولية. زوجك لم يلتزم بما وعد، وأنتِ لم تعودي تردّين على مكالماتي. كنتُ وحدي أمام طفلٍ يحتاج أكثر مما أستطيع أن أقدّم.

ـ وأين هو الآن؟

ـ أرجعتُه لرضا.

سقط الاسم في أذن زينب بثقلٍ مضاعف: رضا، بابٌ قديم كانت تظنه أُغلق، عاد يُفتح فجأة. تداخلت في رأسها صور كثيرة: وجه رضا يوم حملوا يونس إلى بيتهم أول مرة، صوته يوم الطلاق، صمته يوم قررت أخذه بعيدًا.

سألت بصوتٍ يرتجف:

ـ ولماذا… لم تخبريني؟

ـ حاولت. اتصلتُ مرارًا. رسائل بدون جواب. لم أكن أريد أن أسمع نفسي أقول: “أنا أيضًا لا أستطيع.”

ثم أضافت بمرارةٍ خافتة:

ـ حملتِه إلى بيتك أول مرة لأن حياتك ضاقت، وحملتُه إلى بيتي حين ضاقت حياتك مرّة أخرى، وحين ضاقت بي الدنيا، لم أجد أمامي إلا أن أرده إلى جزءٍ من ماضيه. هذا ما استطعت.

لم تجد زينب ما تردّ به. كانت تعرف أن في كلام فاطمة الكثير من القسوة، لكن فيه أيضًا الكثير من الحقيقة. شعرت أن الأرض تميد تحتها للحظة؛ جسدها الذي لم يشفَ بعد من ألم الولادة اهتزّ بوجعٍ آخر:

ـ هل هو بخير؟

ـ آخر ما أعرفه أن رضا أخذه إليه. أكثر من ذلك… لا أدري.

أنهت المكالمة وهي تشعر أنها خرجت من غرفةٍ ضيقة لتدخل في ممرٍّ بلا نهاية. وضعت الهاتف على صدرها، نظرت إلى الطفلة النائمة بجوارها. بينهما، في الفراغ، كان اسم يونس يتردّد كنداءٍ ضائع: “أين أنت؟”

لم تنتظر كثيرًا قبل أن تطلب رقم رضا. حصلت عليه من فاطمة، بعد تردّدٍ قصير. ضغطت الأرقام بأصابع ترتجف، وضعت الهاتف على أذنها وهي تستعدّ لسماع صوت من الماضي اعتقدت أنها تجاوزته.

رنّ الهاتف طويلاً، ثم جاءه صوته، مبحوحًا قليلاً، حذِرًا:

ـ ألو…

ـ رضا… أنا زينب.

صمت ثانيتين، كأن الزمن عاد بهما إلى شقةٍ قديمة، وطاولةٍ كانت تجمعهما. ثم قال:

ـ الحمد لله على سلامتك… سمعتُ أنكِ…

قاطعته:

ـ أين يونس؟الجملة جاءت حادة، بلا تمهيد. شعر رضا بحلقه يجفّ. لم يكن قد هيّأ لنفسه جوابًا لهذه اللحظة. كان يظن، أو يتمنى، أن الحكاية مع الحاج ستُحسم بعيدًا عن أسئلة زينب. الآن، اسم الطفل يعود من فم أمه بالتبنّي، من بلادٍ بعيدة، يُطالبه بحكاية كاملة.

تلعثم:

ـ يونس…

ـ نعم، يونس. فاطمة قالت إنها أعادته إليك. أين هو الآن؟

أخذ نفسًا عميقًا، بحث عن صيغة لا تكشف القاع:

ـ كان معي لفترة…

ـ “كان”؟

ـ الوضع معقّد يا زينب.

ـ وضحّ. أنا على فراش المستشفى، ابنتي في سريرٍ بجانبي، وأنا أسأل عن ابني الأول. لا تقل لي إن “الوضع معقّد” وكفى.

كلماتها اخترقت السياج الذي بناه حول نفسه. شعر بثقل الذنب يجلس معه على الكرسي. قال جملة مبهمة:

ـ حاولتُ أن أجد له مكانًا… أفضل.

ـ مكانًا أفضل من بيتك؟

ـ بيتنا كان على وشك الانهيار.

ـ ومن قال لك إن الحل لإنقاذ بيتٍ هو أن تهدم حياة طفل؟

لم يستطع أن يقول: “أخذته إلى الحاج، وهو الآن في مزرعةٍ لا أعرف حتى حاله فيها.” لم يملك الشجاعة ليعترف بأنه أعاده، عمليًا، إلى ذات الباب الخلفي الذي بدأ منه كل هذا الظلم. قال نصف حقيقة، ترك نصفها الآخر يتعفّن في صدره:

ـ هو… ليس في بيتي الآن.

ـ إذًا أين؟

ـ عند… شخص يمكنه أن يتكفّل به.

ـ أي شخص؟ ملجأ؟ أسرة؟

ـ رجلٌ… يعرف قصته منذ البداية.

كلمة “منذ البداية” سقطت في أذنها كاعترافٍ غير مباشر. تذكّرت ما سمعته يومًا عن الرجل الذي جاء إلى الممرّ الخلفي في المستشفى، عن “المسؤول” الذي أخذ الطفل يومها قبل أن تعرف هي عنه شيئًا. أدركت أن رضا أعاد يونس إلى الحلقة الأولى من السلسلة.

شعرت بغثيان يفوق غثيان ما بعد الولادة. قالت بصوتٍ مبحوح:

ـ يعني أنك… بعته مرّة أخرى؟

ـ الأمور ليست بهذه البساطة.

ـ بل أبسط مما تحاول أن تبرّره: حين يتسلّم رجلٌ طفلاً بلا ورقٍ واضح، في ممرٍّ خلفي، فهذا بيع. وحين تعيده إليه بعد سنوات، هو بيعٌ ثانٍ.

لم يجد رضا ما يقول. حاول أن يدافع عن نفسه:

ـ لم آخذه مقابل المال، ولم آخذ مقابلًا الآن.

ـ الثمن هذه المرة ليس مالاً، رضا… بل راحة ضميرك وراحة بيتك. وهذا أحيانًا أغلى.

على سرير المستشفى، وبين ذراعين ترضعان طفلةً جديدة، شعرت زينب بأن قلبها انقسم إلى نصفين حادّين: نصف يلتحم مع جسد الصغيرة، ونصف يُنزَع بعيدًا نحو غرفةٍ مجهولة في مزرعةٍ لم ترها.

بعد أن أغلقت المكالمة، ظلّت تنظر إلى السقف طويلاً. محمد دخل الغرفة، رأى شحوب وجهها، سأل:

ـ ماذا هناك؟

نظرت إليه، في عينها خليطٌ من عتبٍ وحزن:

ـ يونس… لم يعد عند فاطمة، ولا عند رضا.

ـ أين إذًا؟

ـ عند الرجل الذي بدأ كل شيء.

ثم أضافت جملةً كانت أكبر من جدران الغرفة:

ـ ونحن هنا نحتفل بميلاد حياة، وهناك حياة أخرى… لا نعرف حتى إن كانت قادرة على أن تبقى.

الصغيرة نامت بهدوءٍ لا يعرف شيئًا عن هذه التعقيدات، ومحمد وقف حائرًا بين سرير ابنته ووجه زوجته، ويونس، على بُعد آلاف الكيلومترات، في غرفة كلب حراسة، يتلوّى بين جوعٍ وعطشٍ ودوخة.

الحكاية التي ظنّ بعضهم أنهم استطاعوا أن يقسموها إلى فصول منفصلة ـ فصل القرية، فصل التبنّي، فصل فرنسا ـ عادت لتتشابك في لحظةٍ واحدة: صرخة مولودة جديدة، ورنين هاتف جارة، وصوت رجلٍ مترددٍ لا يجرؤ أن يُسمّي الأشياء بأسمائها.

وكان واضحًا، في قلب زينب على الأقل، أن ما حدث لن يظلّ مجرّد “خبرٍ مؤلم” يضاف إلى سجل الذكريات، بل سيكون نقطة تحوّل، إما نحو محاولةٍ جديدة لإنقاذ هذا الطفل الذي أُعيد إلى الظلّ، أو نحو سقوطٍ نهائيّ في هاوية الذنب، التي لا تشفع فيها لا شهادات الكفالة ولا عقود الزواج ولا حتى شهادات الميلاد الجديدة.

يتبع…

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *