رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ27)
“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
الفصل الثامن:
من القفصٍ نحو طريق مفتوح..
كان صباح المزرعة مختلفًا عن كل الصباحات التي عرفها يونس من قبل؛ هنا لا أصوات مدرسة قريبة، ولا ضجيج جيران، ولا رائحة خبز يتسلل من بيتٍ مجاور. كان كل شيء يبدأ بصوتٍ واحد: نباح كلبٍ حادّ يقطع سكون الفجر، يتبعه صرير بوابة حديدية تُفتَح لدخول عمالٍ قلائل لا يعنيهم من في الداخل ما دام عملهم في الخارج.
جاء به رضا إلى هناك في سيارته القديمة، طريق ترابي طويل يبتعد عن قلب المدينة شيئًا فشيئًا حتى تلاشى الإسفلت، وبقي الغبار وحده يعلو خلف العجلات. لم يتبادل معه الكثير من الكلام في الطريق؛ فقط جُمَل مقتضبة:
ـ الحاج… رجل معروف، عنده مزرعة كبيرة، سيجد لك حلاً.
“حلًّا” جديدًا، قال يونس في نفسه بصمت. تعلّم أن هذه الكلمة عند الكبار لا تأتي إلا ومعها باب مغلق من خلفه.
حين توقفت السيارة أمام بوابة المزرعة، رأى يونس سورًا عالياً وأشجار زيتون متناثرة، وكلبًا ضخمًا مربوطًا بسلسلةٍ ثقيلة عند مدخلٍ جانبي، عيناه تلمعان بحذرٍ مكتوم. خرج رضا، تحدث مع حارس البوابة، بعد دقائق ظهر الحاج نفسه: رجل ممتلئ قليلاً، يرتدي جلابة نظيفة، يحمل في ملامحه خليطًا من الهدوء المصطنع والحزم البارد.
نظر إلى يونس نظرةً سريعة، ثم إلى رضا، وكأن البضاعة ومالكها يُقيّمان في لقطة واحدة.
ـ هذا هو الولد.
قال رضا، ثم أضاف كمن يدافع عن نفسه:
ـ لا أستطيع أن أتابع معه…
قطع الحاج كلامه بحركة يد:
ـ فهمت.
لم يطل الوداع. لم يربت رضا على كتف الصبي كما فعل في مواقف سابقة، لم يقل جملة تواسي أو توضح. ربما خاف إن فعل أن يتراجع. اكتفى بأن قال:
ـ كن قويًّا يا يونس.
ثم استدار، عاد إلى سيارته، وانطلق على طريق الغبار ذاته، يترك خلفه صبيًّا ينظر إلى ظهره كما نظر مرّات لظهورٍ كثيرة تغادر وتتركه في نقطة جديدة.
أخذ الحاج يونس إلى الجهة الخلفية من المزرعة. مرّا بساحة واسعة فيها بعض الدجاج، وببئر محفوفةٍ بجدارٍ قصير، وبمستودع من الصفيح. رائحة التراب والرطوبة تختلط برائحة عرق العمال وبقايا علف الحيوانات.
توقف عند بناءٍ صغير ملاصقٍ للسور، بابه حديدي صدئ، نباح الكلب يعلو من قربه. كانت تلك غرفة ضيقة، أرضها من إسمنت خشن، سقفها منخفض، فيها رائحة نفاذة لحيوانٍ حُبس طويلًا فيها.
فتح الحاج الباب، أشار إلى الداخل:
ـ هنا ستبقى.
تردد يونس، نظر إلى الداخل، ثم إلى الرجل، سأل بصوتٍ صغير:
ـ ولِماذا… هنا؟
أجابه الحاج بنبرةٍ لا تحتمل جدالاً:
ـ حتى نرى ما سنفعل بك.
دُفع الجسد الصغير إلى الداخل دفعًا لطيفًا في الظاهر، قاسٍ في المعنى. أُغلق الباب، بقيت نافذة صغيرة عالية لا يصل إليها إلا الضوء الخافت، ولا يدخل منها سوى جزء من هواءٍ لا يكفي قلبًا يضيق. سمع صوت سلسلة الكلب تُسحب إلى زاوية أخرى قريبة، كأن الحاج قرر أن يتقاسم إثنان هذا الركن: الحيوان لحراسة المزرعة، والطفل لحراسة سرّ لا يريد له أن ينتشر.
في الأيام الأولى، كان الوقت يمشي ببطءٍ مَرَضيّ. يونس يجلس على الأرض، يضمّ ساقيه إلى صدره، يحاول أن يحدد الزمن بما تبقّى له من حواس: أصوات العمال حين يبدأون العمل، نباح الكلب حين يُرمى له الطعام، أذان مسجدٍ بعيد بالكاد يصل صداه، ثم عودة الصمت.
لم يُقدَّم له في البداية إلا ما يكفي لإبقائه على حافة اليقظة: كسرة خبزٍ يابسة، كأس ماءٍ شحيح، وكأن الحاج يختبر: “إلى أي حدّ يمكن أن يحتمل، قبل أن ينهار؟”
الجوع والعطش لم يكونا جديدين عليه تمامًا؛ عرف الجوع في بيت فاطمة حين شحّت الموارد، وعرفه في بيت رضا حين ضاقت النفوس. لكن أن يكون الجوع والعطش جزءًا من “خطة” لإضعافه، لا نتيجة فقرٍ أو غفلة، فهذا ما كان جديدًا عليه، وإن لم يفهمه بكامل وعيه. كان يشعر فقط بأن جسده يخون خفّته القديمة، يصبح أثقل، رأسه يدور، حلقه يحترق.
في الليل، حين يشتدّ العطش، يلعق قطرات الندى الخفيفة التي تتجمّع أحيانًا على حافة الجدار القريب من الأرض، كمن يتشبّث بالحياة على مستوى الحشرات.
أثر الجوع لم يكن في الجسد فقط، بل في الذاكرة أيضًا. بدأت طفولته تعود عليه كحمّى: يرى في زوايا الغرفة صورًا تتراكب، المستوصف، الأفعى، بيت زينب، وجه محمد، صوت زينب وهي تعده بالسفر، فاطمة وهي تمسك بيده نحو بيت رضا، رضا وهو يقول له: “سيجد لك الحاج حلاً.”
الآن، في هذا المكان الضيق الذي كان للكلب، فهم — ولو بفطرته — أن “الحل” الذي يبحثون عنه لا علاقة له بسعادته، بل براحتهم هم.
يهمس لنفسه في إحدى الليالي، صوته واهن:
ـ كلهم يبحثون عن حلّ لأنفسهم، وأنا… المشكلة.
الحاج، في عالمه، لم يكن يرى في يونس “طفلاً” بقدر ما يراه “مأزقًا بشريًا” يحتاج تصريفًا. كان يمشي في المزرعة بثقة مالكٍ يعرف كل شبرٍ فيها، يراجع العمال، يحسب المحصول، يتكلم في الهاتف عن صفقاتٍ وأثمنة. وبين هذه التفاصيل، يمرّ عليه خاطر الصبي المحبوس في بيت الكلب مثل حجرٍ في الحذاء؛ يتضايق منه إن فكر به طويلاً، لكنه لا يخرج الحذاء ليفحصه.
مرة، سأله حارس المزرعة بالهمس:
ـ الحاج، ماذا عن الولد؟
ردّ ببرود:
ـ دعه هناك حتى نرى.
ـ يخاف… يبكي أحيانًا.
ـ الخوف ليس جديدًا في هذه الدنيا. سيعتاد.
لم يكن للحاج أبناء في البيت؛ زوجته بعيدة أغلب الوقت، وأولاده الكبار يعيشون في المدينة. لم يعد في قلبه مكانٌ لرؤية الأطفال ككائنات تحتاج حضنًا؛ صار يرى فيهم إمّا ثروة، أو عمالاً محتملين، أو أوراق ضغط عند الحاجة. يونس لم يكن من أي هذه الفئات بوضوح. هو “شيء” وقع بين يديه من دون مقابل، ولا يرى أمامه حتى الآن مشتريًا جديدًا له.
في أحد الأيام، ربما الثالث أو الرابع، لم يعد يونس قادرًا على الوقوف بسهولة. حين فُتح الباب للحظات ليرمى له بقطعة خبزٍ ومقدارٍ ضئيل من الماء، انكسر الضوء على وجهه بطريقةٍ عرّت ما صار إليه: عظام وجهٍ بارزة قليلاً، عينان غائرتان، شفتان متشققتان.
نظر إليه الحارس بحرج، لم يجرؤ أن يتكلم أمام الحاج. لكن حين أُغلق الباب، تمتم وهو يبتعد:
.هذا ليس عادلاً، يا حاج.
سمعه الحاج، التفت نحوه:
ـ العدل؟ نحن نحاول أن نُبعد مشكلة عن رؤوسنا. إن تركته يسرح، سيصير شهادة علينا.
ـ وشهادة عليه…
لم يجب.
في هذا القفص الإسمنتي، بدأ يونس يفقد الإحساس بالزمن. لم يعد يميّز بين الصباح والمساء إلا بأصواتٍ تتكرّر: جرّ عربات العمل، نباح الكلب حين تمرّ قطة، وقع أقدام الحاج الثقيلة حين يقترب، وصمت الليل الطويل.
كان يحاول أن يشغل عقله بشيءٍ حتى لا يذوب: يسترجع دروس المدرسة، يحفظ في رأسه جدول الضرب، يقرأ سورًا من القرآن مما حفظه في الكتّاب، يستدعي في ذهنه وجوهًا يحبها: حادة، باسو، عسو، مينة، زينب، يوسف، فاطمة.
أحيانًا، كان يحاول أن يتذكر وجهه هو كما كان حين يضحك. لا يتذكر آخر مرةٍ ضحك فيها دون قيد.
في فرنسا، في الشقة الصغيرة، ربما في اللحظة نفسها التي كان يونس يلعق فيه قطرات الماء من زاوية الغرفة، كانت زينب تستيقظ على وجعٍ خفيف في بطنها: علامات أولى على قرب الولادة. محمد يهرع إلى الهاتف يطلب سيارة الإسعاف، يفتح لها الباب، يحمل حقيبةً جهزّاها منذ أسابيع. يده تمسك بيدها، يكرر كلمات تشجيعٍ حفظها من تجارب أصدقائه:
ـ كل شيء سيكون بخير.
لم تكن تفكر في الألم فقط؛ في لحظة ما بين الطلقة والأخرى، مرت في ذهنها صورة ابنها الأول: “أين ينام هذه الليلة؟ هل أكل؟ هل غسل وجهه قبل النوم؟” لم تعرف أن في طرف آخر من هذا العالم، ابنها لا يجد حتى ماءً يغسل به فمه.
في المغرب، يعود رضا إلى بيته كل مساء، لا يسمع خطوات يونس فيه، لا يسمع صوته، يشعر بفراغٍ غريب. لم يعد هناك من يفتح له الباب أحياناً أو يمدّ له كأس ماء.
سعاد تلاحظ هذا الفراغ، لكنها تلبسه معنى مختلفًا:
ـ البيت أخفّ.
تهز كتفيها وتقول لنفسها: “سيعتاد.”
هو أيضًا يحاول أن يقنع نفسه: “سأعتاد.”
لكنه في أعماقه، حين يضع رأسه على الوسادة، يسمع سؤالاً لا يسكت:
ـ هل أعدته إلى حيث بدأ ظلمه، أم دفعته خطوة أبعد في الظلام؟
في المزرعة، بين نباح الكلب ورائحة العفن، بدأت مقاومة جسد يونس تضعف. الحرمان المتقطّع من الأكل والشرب جعله يتعلّم درسًا جديدًا: أن الجسد، مهما قاوم، له حدود. في اليوم الخامس تقريبًا، حين حاول أن يقف، انزلقت قدماه، سقط، رأسه اصطدم بحافة الجدار الخشن، شعر بدوارٍ شديد، ثم سوادٍ يبتلع كل شيء.
قبل أن يفقد وعيه تمامًا، رأى في مخيّلته مشهدًا غريبًا: رأى نفسه يعود طفلًا في السابعة، يمشي في حقل الشعير، يسمع نداء حادة من بعيد، يرى ظل الجبل ثقيلاً كما كان، ثم يرى يده تمتدّ لا نحو الأفعى، بل نحو بابٍ خشبيّ قديم يُفتح على نورٍ قويّ. لم يستطع أن يعبر، لأن شيئًا ما في ساقه كان مقيدًا بسلسلةٍ لا تُرى.
هذا السواد الذي لفّه في تلك اللحظة لم يكن نهاية، لكنه علامة على أن الحكاية وصلت إلى نقطةٍ لا يمكن بعدها الاستمرار في هذا المسار دون أن ينكسر شيء: جسد الطفل، أو ضميرُ من حوله، أو كلاهما.
الحاج، برؤيته الباردة للأمور، سيضطر عاجلاً أو آجلاً أن يحسم مصير “الولد الذي لا ينفع إذلاله طويلًا ولا يمكن تركه حراً”، ورضا سيجد نفسه أمام نتائج قراره، وزينب ومحمد، في شقتهما الفرنسية مع مولودهما الجديد، سيضطران أن ينظرا، ذات يوم، في المرآة ويسألا: “ماذا فعلنا بابنٍ آخر تركناه في بلادٍ لا نعرف حتى أين ينام فيها؟”
أما يونس، المستلقي في غرفة الكلب، فقد دخل، ربما لأول مرة، في منطقةٍ لا يفكر فيها بل يحسّ بها فقط: منطقة ما بين الحياة والموت، بين الوعي والغياب، بين كون الإنسان “ملفّاً يُنقل” وكونه روحًا إذا انطفأت لن يكون هناك ملفّ يكفي لإعادتها.
يتبع…



