ما وراء أحداث سبتة المحتلة : إفلاس النخب السياسية و ثبات المؤسسات السيادية

بقلم : البراق شادي عبد السلام

تتجاوز أحداث سبتة المحتلة مجرد الظروف الاقتصادية الصعبة لتكشف عن عجز الخطاب السياسي في مواجهة الاستهداف الخارجي.

تندرج هذه الأحداث ضمن حروب الجيل الخامس، حيث استغلت الشبكات والذباب الإلكتروني المنصات الرقمية لترويج الإشاعات وتوجيه الشباب نحو سراب الهجرة.

أظهرت الأزمة انسحاب الأحزاب والنخب المنتخبة عن أداء أدوارها الدستورية في التواصل الميداني والتأطير واحتواء الاحتقان الاجتماعي.

فشلت الشبيبات الحزبية في بناء جسور الثقة مع الشباب، حيث تحولت في معظمها إلى فضاءات مغلقة للمحسوبية والريع السياسي.

تصدت الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة للوضع الميداني بحكمة واحترافية عالية، متحملة بمفردها تبعات العجز السياسي والتنموي.

تستغل أطراف خارجية قضية الهجرة للضغط على المغرب والتشويش على مكاسبه، بالتزامن مع صمت المنظمات الحقوقية الغربية عن التجاوزات داخل الثغر المحتل في حق المهاجرين .

يتطلب تحصين المسار التنموي للدولة إبعاد الكائنات الانتخابية المترهلة وإفراز قيادات حقيقية قادرة على مواكبة الرؤية الملكية وتحديات العصر.

تقتضي صيانة الأمن القومي إرساء درع سيبراني متين وصياغة سردية وطنية حديثة تحمي الوعي الجمعي للشباب من أساليب التضليل والتوجيه.

إن الهزة النفسية والاجتماعية التي أحدثتها مشاهد ارتماء الشباب المغربي في أحضان المجهول نحو مدينة سبتة المحتلة، لا يمكن استيعابها عبر المقاربات التبسيطية، بل إنها تتجاوز بكثير القراءات السطحية التي تختزل الأزمة في مجرد ثنائية الفقر والهشاشة؛ إننا أمام جرس إنذار حقيقي يكشف عقم خطابات التخدير السياسي، وتدني منسوب المناعة لدى جيل يقع في تقاطع نيران ‘البروباغندا’ الخارجية الممنهجة، ومستنقع الريع الحزبي الداخلي. فنحن في صلب واقع بالغ التعقيد تتقاطع فيه حروب الجيل الخامس وصناعة ‘البروباغندا’ والاستهداف الممنهج للوعي الجمعي، مع حقيقة داخلية مؤلمة تتجلى في إفلاس ذريع وعقم هيكلي لـ ‘كائنات انتخابية’ وطبقة سياسية فشلت جماعيا وبشكل صارخ في تنزيل وترجمة الرؤية الملكية السامية في شقها الاجتماعي، وعجزت عن المواكبة الميدانية للأوراش الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها تعميم الحماية الاجتماعية، وتفعيل الدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم لبناء ‘الدولة الاجتماعية’ الحاضنة لأبنائها. إنها نخبة سياسية راكمت الامتيازات، وغرقت في مستنقع الريع وزواج المال بالسلطة، في مشهد بائس تصدرته وجوه باهتة تفتقر لأدنى مستويات الكاريزما القيادية وتفتقد للكفاءة الفكرية والتدبيرية، لينتهي بنا المطاف أمام ‘محميات سياسية’ استقالت طوعا من أدوارها الدستورية، وغرقت في مستنقع ‘البوليميك’ والمزايدات السياسوية البائسة، وحسابات ‘الترحال السياسي’ و’لغة الخشب’ الرخيصة، محولة العمل الحزبي والتمثيلي إلى ما يشبه ‘فيرمات مغلقة’ وزوايا لـ ‘توزيع الكعكة’ وتوريث المناصب والدوائر البرلمانية، واعتماد ‘التعيينات على المقاس’ بمنطق ‘باك صاحبي’ وفق المحاصصة الانتخابوية الضيقة وكأنها إقطاعيات عائلية، بدل أن تكون فضاءات حقيقية لـ التأطير المؤسساتي ومحاربة العزوف السياسي واحتضان طموحات الشباب وآمالهم وآلامهم.

وهو الفشل الذي لم يكن يوما خافيا على أعلى هرم في الدولة، حيث سبق لجلالة الملك محمد السادس نصره الله أن شخصه بوضوح لا لبس فيه، وبمسؤولية تاريخية، في العديد من المناسبات والخطب السامية، داعيا إلى ضرورة ‘ربط المسؤولية بالمحاسبة’، ومحددا مكامن الخلل بدقة، ومحذرا من الانتظارية وتقاعس هذه النخب وعجزها الفاضح عن استيعاب الرؤية الملكية وتنزيلها على أرض الواقع. وأمام هذا العقم الحزبي، يظل إلتفاف الشعب المغربي بالعرش العلوي المجيد هو الصخرة الصامدة التي تتحطم عليها كل المؤامرات، باعتباره الملاذ الآمن والمعبر الأسمى والأصدق عن تطلعات المغاربة وآمالهم في العدالة والكرامة. وبسبب هذا التخلف السياسي المفضوح عن التوجيهات الملكية، وانشغال هؤلاء بـصراع الكراسي وتقطيع الدوائر، تترك اليوم مؤسسات الدولة السيادية والقوات العمومية ورجالاتها الصادقون في خط النار الأول وفي قلب العاصفة، ليواجهوا بمفردهم تبعات هذا العجز الهيكلي والغياب التام لتأطير المواطنين وامتصاص غضبهم.

  • حروب الجيل الخامس: هندسة الوهم الرقمي

إن الحشود التي اندفعت نحو ثغور الشمال، وتحديداً نحو تخوم الفنيدق والمضيق و بني إنصار ، لم تتجمع بفعل نداء داخلي عفوي أو مجرد انفعال لحظي لواقع سوسيو-اقتصادي، بل تم استنفارها وتحريكها عبر هندسة خبيثة للوهم الرقمي وحرب نفسية مكتملة الأركان تصنف بامتياز ضمن حروب الجيل الخامس. لم يعد المهرب اليوم شخصا يختبئ في جنح الظلام ليقود “قوارب الموت”، بل تحول إلى “خوارزمية ذكية” و”ذباب إلكتروني” يعمل في وضح النهار، ويخترق شاشات الهواتف عبر منصات توجيه الجماهير مثل ” فايسبوك ” و “تيك توك” و”إنستغرام”.

لقد تم تحديد “ساعة الصفر” والمسارات المكانية بدقة ميدانية عبر حملات مجهولة المصدر، استغلت بذكاء خبيث الثغرات القانونية والاجتهادات القضائية الإسبانية الأخيرة—خاصة تلك المتعلقة بتعليق إجراءات “الإعادة الفورية” بحرا—لتبث إشاعات مدروسة وموجهة حول “التساهل الأمني” أو “فتح الحدود”. هذه المنصات والشبكات المنظمة لا تكتفي ببيع اليأس والمظلومية للشباب والقاصرين المغاربة، بل تبيعهم “سرابا مميتا وفردوسا موهوما”، تم تصميمه وتشفيره بعناية فائقة لاختراق المناعة الوطنية، وتفكيك التماسك المجتمعي، وخلق حالة غير مسبوقة من الاستلاب الإدراكي والقطيعة الوجدانية مع مؤسسات الدولة.

إن الهدف الاستراتيجي والمبطن من هذه “البروباغندا” السوداء هو جعل الشاب يرى وطنه الأم—الذي يشهد أوراشا هيكلية كبرى وتحولات سيادية وازنة—كمجرد “قاعة انتظار” بائسة، وتصوير أوروبا كـ “خلاص حتمي” لا يقبل التأجيل. إنها باختصار عملية “تسميم إدراكي” واسعة النطاق، ومحاولة يائسة لتحويل أجساد هؤلاء الشباب وأحلامهم إلى “ذخيرة حية” ودروع بشرية في معركة جيوسياسية قذرة، تستهدف ابتزاز المملكة، والتشويش الممنهج على صعودها كقوة إقليمية، وضرب استقرارها الداخلي عبر التلاعب الخسيس بورقة السلم الاجتماعي.

  • هروب الفاعل السياسي : أزمة التأطير و غياب الوساطة

في خضم هذه الأزمة غير المسبوقة، كان المشهد الميداني في مدينة الفنيدق و بني انصار و سبتة وتخومها كاشفا لحقيقة مرة يجب الوقوف عندها بكل تجرد وشجاعة: لقد شهدنا انسحابا تاما ومخزيا للفاعل السياسي ولجيوش المنتخبين المحليين والبرلمانيين. في الوقت الذي كانت فيه منصات التواصل الاجتماعي ومحركات “البروباغندا” تحشد الآلاف وتتلاعب بـ الأمن النفسي والوجداني للمراهقين والشباب، اختارت هذه النخب الحزبية الركون إلى الصمت الإستراتيجي ، متوارية عن الأنظار.

هذه النخب، التي تفتقد لأدنى مقومات الكفاءة وآليات التواصل أثناء الأزمات والذكاء الجماهيري، تركت الساحة فارغة تماما، لتؤكد بما لا يدع مجالا للشك حالة الإفلاس البنيوي لمنظومة الوساطة الاجتماعية. لم نر برلمانيا يقوم بواجبه في التأطير الميداني، ولا حزبا قادرا على استيعاب الصدمة، ولا منتخبا محليا يمتلك الشجاعة للنزول إلى الشارع ومحاورة الشباب، لاحتواء احتقانهم وتفكيك شيفرة الوهم الرقمي وزيف الادعاءات المسمومة التي استهدفت وعيهم الجمعي.

وإلى جانب هذا العجز القيادي، تأتي خيبة الأمل الكبرى مع الشبيبات الحزبية التي فشلت في إحداث أي تواصل حقيقي أو بناء جسور الثقة مع شباب المغرب؛ إذ تحولت هذه المنظمات الموازية، في أغلبها، إلى مجرد واجهات سياسوية و حاضنات مغلقة للزبونية الحزبية، تقتصر أدوارها على تقديم الولاءات الموجهة والتسابق المحموم نحو التموقع والريع الوظيفي وانتهاز الفرص الانتخابية، غافلة تماما عن نبض الشارع وعن هموم الجيل الجديد وقضاياه الحارقة.

لقد أسقطت أحداث الشمال ورقة التوت الأخيرة، لتثبت أننا أمام طبقة سياسية ريعية وشبيبات تستهلك ولا تنتج، تتقن فنون المزايدات وتظهر بشراسة منقطعة النظير فقط في مواسم الحصاد الانتخابي وتقسيم الغنائم و برامج الدعم و الشراكات من المال العام ، ثم تنسحب بجبن غير مسبوق في أوقات الأزمات الوطنية الكبرى والمفصلية. إن هذا التخلي السافر عن الأدوار الدستورية والأخلاقية، وهذا الهروب إلى الأمام، لا يكرس فقط أزمة الثقة والقطيعة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، بل يضع العبء كله، وبشكل غير عادل، على كاهل المقاربة الأمنية ومؤسسات الدولة السيادية لتدبير وحل ما أفسده عقم “الكائنات الانتخابية”.

  • في خط المواجهة: المؤسسات السيادية تتحمل ضريبة فشل السياسي

أمام هذا الهروب الجماعي والانسحاب الانتهازي للسياسيين، وجد رجال المغرب الوطنيون الصادقون أنفسهم، مرة أخرى، في خط المواجهة المباشر وعلى خطوط التماس المشتعلة. لقد رمى الفاعل السياسي بالعبء كاملا، وبشكل غير مسؤول، على كاهل رجال الدولة الشرفاء؛ من الأمن الوطني، و الدرك الملكي، و المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني و القوات المساعدة، ومسؤولي الإدارة الترابية والسلطات المحلية، ليتحملوا بمفردهم كلفة هذا التخاذل المؤسساتي والغياب التام لآليات الوساطة.

هؤلاء الرجال، الذين واصلوا الليل بالنهار بعيون يقظة لا تنام، وأداروا أزمة بشرية ونفسية خانقة بحكمة بالغة، وضبط نفس أسطوري، واحترافية عالية تعكس عقيدة أمنية راسخة ومواطنة، نجحوا في تفكيك قنابل موقوتة ومنع وقوع كوارث إنسانية ومآس محققة. إنهم، وبكل تجرد، من استوعبوا الصدمة ميدانيا، وتحملوا فاتورة الإخفاق التنموي والسياسي للمنتخبين، وعقم السياسات العمومية المحلية التي فشلت في إدماج الشباب وزرع الأمل في صفوفهم.

لقد أثبتت أحداث الفنيدق وتخومها و بني إنصار ، بما لا يدع مجالا للشك، أن الدولة المغربية تمتلك مناعة صلبة وعمقا استراتيجيا متينا بفضل مؤسساتها السيادية ويقظة أجهزتها ورجالاتها المخلصين الذين يمثلون صمام الأمان، ويعملون في صمت وتفان ونكران ذات تام. لكنها في المقابل، تطعن في ظهرها مرارا بنخبة حزبية ومجالس منتخبة عاجزة بنيويا عن مواكبة الإيقاع السريع للرؤية الاستراتيجية للدولة، وتتحول بانتهازيتها إلى عبء ثقيل يترك الأجهزة الأمنية والمقاربة الميدانية في مواجهة منفردة وقاسية مع التداعيات الخطيرة لهذا الفراغ التأطيري والهشاشة السياسية.

  • النفاق الأوروبي والابتزاز الجيوسياسي في توظيف الأزمات

لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة هذه الأحداث الجارية بمعزل عن التحولات الجيوسياسية والإقليمية المعقدة المحيطة بالمملكة. إن المغرب، الذي نجح في فرض نفسه كقوة إقليمية ذات سيادة كاملة وقرار مستقل ينوع شركاءه الاستراتيجيين، يجد نفسه مرارا وتكرارا عرضة لأساليب الابتزاز الممنهج بورقة الهجرة. وفي هذا السياق، تمارس أوروبا وإسبانيا نفاقا هيكليا ومفضوحا؛ فهما تغلقان الأبواب أمام آفاق التنقل القانوني وتفرضان قيودا تعجيزية ومذلة على التأشيرات، في الوقت الذي تحتاج فيه اقتصاداتهما المتهالكة ديموغرافيا إلى دماء جديدة ويد عاملة لتغطية النقص الحاصل، وهو ما يؤدي حتميا إلى خلق “طنجرة ضغط” بشرية تترك عمدا لتنفجر في وجه دول العبور والواجهة.

ومن هذا المنطلق، عبرت المملكة المغربية في العديد من المناسبات وبوضوح تام أنها لن تكون أبدا حديقة خلفية للمشهد السياسي الإسباني أو الأوروبي، ولا مسرحا لتصريف تدافعاتهم الانتخابية وصراعاتهم الحزبية الضيقة على حساب أمنها القومي واستقرارها المجتمعي. فالمغرب يدير قضاياه الإستراتيجية بمنطق الشراكة الندية والمسؤولية المشتركة، رافضا الخضوع لأي ابتزاز سياسوي خارجي.

فكل المؤشرات تؤكد وجود أطراف ودوائر معادية يزعجها بشدة المسار التنموي المتصاعد والدبلوماسية الهادفة للمملكة، فتتلقف صور مئات الشباب المندفعين نحو السياج كمادة خام ومثالية لحملات دعائية مسمومة. وهي ذات المناهج العدائية التي ظهرت ملامحها بوضوح في إخراج ملف “بيغاسوس” والتررويج له باحترافية مشبوهة في مختلف الدوائر الإعلامية الأوروبية والدولية بهدف خلق حالة من الاستعداء الممنهج ضد المصالح المغربية. تسعى هذه الأطراف من خلال كل هذه الأدوات إلى التشويش على الانتصارات والمكتسبات الدبلوماسية للمملكة، وتتعمد توقيت هذه الأزمات بعناية فائقة لتتزامن مع محطات وطنية كبرى للتنغيص عليها وإفساد رمزيتها. ومع ذلك، وبكل الوضوح الممكن والموضوعية المطلوبة، فإن هذا الاستهداف الخارجي والابتزاز المقيت ما كان ليبلغ مداه أو يحقق أي منزلق لولا حالة الهشاشة والقصور البنيوي التي خلقتها النخب السياسية الفاشلة في الداخل، والتي تركت الجبهة الداخلية عرضة للتآكل وغياب التأطير الفعلي.

وإلى جانب الابتزاز السياسي الرسمي، كشفت هذه الأحداث عن السقوط الأخلاقي والنفاق المنهجي الذي تطبعه المنظمات الحقوقية الأوروبية والإسبانية والدولية؛ تلكم الهيئات التي لطالما نصبت نفسها “أوصياء” على الضمير العالمي لتوزيع الدروس المجانية وصكوك الغفران على المغرب في مجالات حقوق الإنسان وحماية المهاجرين. لقد برز بوضوح ذلك “الصمت المطبق” والتواطؤ المفضوح لهذه المنظمات طوال الأيام العصيبة التي تكبد فيها المهاجرون غير النظاميين أبشع الظروف داخل مدينة سبتة المحتلة، حيث تركوا يواجهون الجوع، وغياب أبسط شروط النظافة، وانعدام المواكبة الطبية، فضلا عن تعرضهم لممارسات حاطة بالكرامة الإنسانية داخل الثغر المحتل. إن هذا السكوت المريب يعري الوجه الحقيقي لخطاب حقوق الإنسان المزدوج، ليؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن تلك الإطارات الحقوقية ليست سوى منابر انتقائية وأذرع مسيرة تشهر شعاراتها المزيفة حين تخدم أجندات الابتزاز، وتخرس كليا حين تتعلق الانتهاكات الصارخة بحقوق المهاجرين على التراب الأوروبي.

  • نحو سيادة شاملة: تطهير المشهد السياسي من ضرورات الأمن القومي و بناء الدرع الرقمي لتحصين المكتسبات

إن الدولة المغربية تقود اليوم دينامية تنموية غير مسبوقة وتؤسس لـ “ثورة اجتماعية حقيقية” عبر أوراش ملكية مهيكلة؛ بدءا من إرساء دعائم “الدولة الاجتماعية” عبر تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر، وصولا إلى استقطاب الاستثمارات الصناعية الكبرى وتكريس تموقع المملكة كقوة إقليمية صاعدة. لكن تحصين هذا المسار التنموي المضيء يفرض، أكثر من أي وقت مضى، اتخاذ قرار حاسم وجريء بـ القطع الجذري مع هذه النخب السياسية المترهلة وكنس المشهد الحزبي من “كائنات انتخابية” استنفدت صلاحيتها التاريخية والسياسية.

إن التحدي الراهن هو أمني وإدراكي بامتياز؛ إذ لا يمكن البتة خوض غمار حروب الجيل الخامس ومواجهة منصات التضليل الممنهج بنخب سياسية متكلسة لا تزال أسيرة عقلية القرن الماضي وممارساته البائدة. إن صيانة الأمن القومي الشامل تشترط إفراز قيادات سياسية طموحة ونخب وطنية حية تتسلح بالكفاءة الحقيقية والذكاء التواصلي، قادرة على النزول إلى الميدان، والتفاعل المباشر والفعال مع “جيل الخوارزميات والديجيتال”، وامتلاك القدرة على الاستشراف الاستباقي لامتصاص الاحتقان وتفكيك الأزمات قبل وصولها إلى نقطة الانفجار.

وبالموازاة مع هذا التطهير المؤسساتي، بات من الضروري والمستعجل إرساء “سيادة رقمية” صارمة وبناء درع سيبراني متين يحصن عقول الشباب والأمن الوجداني للمغاربة من موجات الاستلاب وحملات “البروباغندا” الهدامة. يتطلب هذا الجهد الهندسي الدقيق إعادة بناء وصياغة السردية الوطنية بقالب جذاب ومبتكر، وبلغة تواكب العصر وتلامس طموحات وتحديات جيل اليوم بعيدا عن لغة الخشب.

إن المعركة التي نخوضها اليوم هي معركة سيادة شاملة ومصيرية: سيادة حازمة على مقدراتنا الترابية ومكتسباتنا التنموية، وسيادة صارمة على قرارنا الداخلي بـ تخليق الحقل السياسي وتطهيره من كل مسؤول انتهازي فاقد للأهلية يختار “الهروب والتنصل يوم الواجب”. إنها معركة لا تقبل أنصاف الحلول، لضمان ألا تترك مؤسسات الدولة السيادية، وقواتها العمومية، ورجالاتها الشرفاء وحدهم ، يتحملون في كل مرة كلفة المواجهة المباشرة مع المجهول نيابة عن فاعل سياسي أتقن فن الخذلان.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *