عبد الله بوصوف يوقع “تمغربيت” و”إمارة المؤمنين” ويغوص في محددات الشخصية المغربية
في إطار تعزيز النقاش الفكري حول الهوية الوطنية والخصوصية الدينية للمملكة، شهدت العاصمة الرباط، مساء الجمعة، تنظيم حفل توقيع متميز للمؤرخ والكاتب عبد الله بوصوف. اللقاء الذي احتضنته “شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب” بتنسيق مع “المقهى الثقافي ميلانو”، خصص لتقديم مؤلَّفيْه الأخيرين: “تمغربيت، محددات الهوية وممكنات القوة الناعمة”، و”إمارة المؤمنين.. المرجعية الروحية لوسطية الإسلام”.
ويشكل هذان العملان حلقة ضمن مشروع فكري متكامل، يسعى من خلاله بوصوف إلى تشريح الشخصية المغربية عبر مقاربتين متلازمتين؛ ثقافية ودينية، حيث يبرز خصائص التدين المغربي القائم على الاعتدال والانفتاح، والبعيد كل البعد عن نزعات التشدد والغلو.
مشروع فكري عابر للتخصصات
وفي قراءته النقدية للمؤلفين، اعتبر عياد أبلال، الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع وأنثروبولوجيا الثقافة، أن عبد الله بوصوف نجح في بناء مشروع فكري “أصيل”، يتميز بتجاوز الحدود الضيقة للتخصصات العلمية. وأوضح أبلال أن قارئ كتب بوصوف يجد صعوبة في تصنيفها داخل قالب أكاديمي واحد، فهي تتأرجح ببراعة بين التاريخ والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية، لتشكل نسيجاً معرفياً متكاملاً.
وأشار الباحث إلى أن هذا المشروع ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة مسار فكري طويل، استهل بوصوف فصوله بكتاب “في مواجهة المرآة”، الذي فكك فيه التمثلات الغربية والمشرقية حول المغرب. أما بخصوص مؤلَّف “تمغربيت”، فقد أكد أبلال أن الكاتب نجح في تأصيل الهوية المغربية أنثروبولوجياً، مستخلصاً منها أبعاداً بيداغوجية وقيمية ضرورية لنقل الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة، معتبراً أن غياب “سردية متكاملة” يعني ضياع الذاكرة.
وبخصوص كتاب “إمارة المؤمنين”، نوّه المتحدث بكونه يقدم مقاربة تبرز إبداع المغرب في صهر الأبعاد الروحية والسياسية والمدنية في وحدة منسجمة، حيث يحضر “أمير المؤمنين” كضامن للمواطنة وكعنصر محوري في الذاكرة الجمعية. كما أشاد أبلال باعتماد بوصوف على مراجع أجنبية لتقديم هذا النموذج كجواب مغربي أصيل على إشكالات الحداثة وما بعدها، لا سيما في قضايا الأخلاق والأسرة والدين.
الكتابة.. “حلف مقدس” مع الأمل
من جانبه، تحدث عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، عن دافعه الأساسي للكتابة، مفنداً نظرة البعض التي تستغرب انخراط مسؤول مؤسساتي في التأليف. وكشف بوصوف، في لحظة إنسانية مؤثرة، أن الكتابة كانت رفيقته في مواجهة فترات قاسية من حياته، خاصة خلال صراعه الطويل مع المرض (حادثة سير خطيرة ومرض السرطان).
وأكد بوصوف أن “الكتابة لم تكن مجرد هواية، بل كانت حلفاً مقدساً” ساعده على تجاوز الآلام، ومارافقه حتى تحقق الشفاء. أما بخصوص عمله حول “إمارة المؤمنين”، فقد أوضح أنه مساهمة فكرية تهدف لتخليص بعض المفاهيم من التراكمات التي غيبت قدرتها على تقديم أجوبة للتحديات الراهنة، مثل قضايا “العقل والنقل” وسؤال المعنى الذي عجزت الحداثة الغربية عن تقديم أجوبة شافية له.
وختم بوصوف كلمته بالتأكيد على أن النموذج المغربي، بمرتكزاته المتمثلة في إمارة المؤمنين والعقيدة الأشعرية والمذهب المالكي، يقدم عناصر إجابة جوهرية يمكن للعالم الاستفادة منها، داعياً في الوقت ذاته الباحثين في العلوم الإنسانية والسياسية إلى التفاعل مع هذا النموذج وتملكه معرفياً



