جريدة لوموند الفرنسية.. عندما تسقط الأقنعة وتعود الأسطوانة القديمة
يبدو أن جريدة «لوموند» الفرنسية اختارت، مرة أخرى، العودة إلى النبرة نفسها التي طبعت جزءا من خطابها تجاه المغرب، وكأن الزمن توقف وكأن المغرب لم يتغير. فبدل أن تواكب التحولات العميقة التي عرفتها المملكة، تصر بعض خرجاتها الأخيرة على إعادة إنتاج صورة نمطية تجاوزتها الأحداث والوقائع.
المشكلة هنا ليست في أن تنتقد «لوموند» المغرب؛ فالاختلاف والنقد حق أصيل من حقوق الصحافة. المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى انتقائية، والاجتهاد الصحفي إلى أحكام مسبقة، والبحث عن الحقيقة إلى انتقاء ما يخدم رواية جاهزة.
لقد تغير المغرب، شئنا أم أبينا. تغيرت مؤسساته، وتطورت بنياته الاقتصادية والاجتماعية، وتعزز حضوره الإقليمي والدولي، وتبدلت موازين كثيرة في علاقاته مع شركائه. ومن ثم، فإن الاستمرار في التعامل معه بعقلية القوالب القديمة لا يعكس بالضرورة واقع المغرب، بقدر ما يكشف عن عجز بعض الأقلام عن مواكبة هذا الواقع الجديد.
والأخطر من ذلك أن الصحافة التي يفترض أن تكون عيناً على الحقيقة قد تتحول، عندما تتخلى عن التوازن، إلى طرف في صناعة الانطباع بدل نقل الوقائع. وهنا تحديداً تكمن الخطورة: لأن القارئ لم يعد يقبل أن يُعامل كمتلقٍّ ساذج، أو أن تُفرض عليه رواية واحدة باعتبارها الحقيقة المطلقة.
«لوموند» ليست فوق النقد، وتاريخها لا يمنحها حصانة أخلاقية أو مهنية. بل على العكس، كلما ارتفع اسم المؤسسة الإعلامية ارتفعت معها مسؤوليتها، وأصبح واجبها في احترام الدقة والتوازن والتحقق أكبر.
ومن حق المغاربة أن يتساءلوا اليوم: هل نحن أمام صحافة تمارس النقد بمهنية واستقلالية، أم أمام عودة إلى خطاب قديم لم يستوعب أن المغرب تغير وأن علاقاته وموقعه ومصالحه لم تعد تُدار بمنطق الماضي؟
إن زمن الوصاية الإعلامية قد انتهى. والمغرب ليس مطالباً بالحصول على شهادة حسن السلوك من أي صحيفة أجنبية، كما أن المغاربة ليسوا في حاجة إلى من يشرح لهم وطنهم من وراء مكاتب باريس.
اكتبوا ما شئتم، وانتقدوا ما شئتم، لكن احترموا الحقيقة كاملة.
أما محاولة اختزال المغرب في صورة سوداء مصطنعة، وانتقاء الوقائع لخدمة سردية مسبقة، فلن تغير شيئاً من الواقع، ولن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
فهل عادت «لوموند» إلى عادتها القديمة؟ أم أن الحقيقة، هذه المرة، هي التي أصبحت تزعجها.



