تقرير: شراكة المغرب والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة تتحول إلى معضلة جيوسياسية

تقرير: شراكة المغرب والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة تتحول إلى معضلة جيوسياسية
ناظورسيتي: متابعة

عاد ملف الهجرة غير النظامية وأمن الحدود إلى واجهة النقاش بين المغرب والاتحاد الأوروبي، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها منطقة البحر الأبيض المتوسط، وما تفرضه من تحديات أمنية وسياسية متزايدة على ضفتي المتوسط.

وفي هذا السياق، خلص تحليل نشرته منصة “أوراسيا ريفيو” إلى أن الشراكة بين الرباط وبروكسل في مجال أمن الحدود تحولت إلى ما يشبه “معضلة” جيوسياسية، بعدما تجاوزت أبعادها الجوانب الأمنية لتشمل قضايا سياسية واقتصادية وسيادية، إلى جانب ملف حقوق الإنسان.

التحليل، الذي أعده الدكتور محمد شتاتو تحت عنوان “حراسة بوابات أوروبا: المغرب وتعقيدات أمن الحدود المتوسطية”، يتناول طبيعة العلاقة المعقدة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة، مسلطا الضوء على المصالح المتبادلة التي تحكم هذه الشراكة، والتوترات التي تظهر كلما ارتبط الأمر بالسيادة والمصالح الاستراتيجية.

اعتماد متبادل بين الرباط وبروكسل

ويرى شتاتو أن العلاقات المغربية الأوروبية في مجال الهجرة تقوم على نوع من “الاعتماد المتبادل”، إذ تنظر دول أوروبية إلى المغرب باعتباره شريكا رئيسيا في مواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، في الوقت الذي تمثل فيه أوروبا شريكا اقتصاديا ودبلوماسيا أساسيا بالنسبة للمغرب.

غير أن هذا التعاون، بحسب التحليل، لا يعني قبول الرباط بتحويل المملكة إلى مجرد “حارس حدود” للاتحاد الأوروبي، إذ يحرص المغرب على التأكيد على أن التعاون في مجال الهجرة يجب أن يكون قائما على شراكة متوازنة تراعي المصالح المتبادلة ولا تختزل دوره في مراقبة حدوده لمنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا.

المغرب في قلب سياسة “تصدير الحدود”

ويشير التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي اعتمد خلال السنوات الماضية مقاربة تقوم على ما يعرف بـ”تصدير الحدود”، من خلال تعزيز التعاون مع دول الجوار بهدف التصدي للهجرة قبل وصول المهاجرين إلى الأراضي الأوروبية.

ويرى التحليل أن هذه السياسة تجعل المغرب، بحكم موقعه الجغرافي، جزءا أساسيا من منظومة أمن الحدود الأوروبية، بل وتدفع به عمليا إلى لعب دور “منطقة عازلة” بين المهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا والحدود الأوروبية.

ورغم أن هذه المقاربة تساهم في الحد من وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى الأراضي الأوروبية، فإنها تثير، بحسب الكاتب، تساؤلات قانونية وحقوقية بشأن المسؤولية عن حماية حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء، خاصة عندما تتم عمليات الاعتراض قبل وصول الأشخاص إلى الأراضي الأوروبية.

أزمة سبتة تختبر التعاون المغربي الإسباني

ويستحضر التحليل أزمة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة خلال شهري يوليوز وغشت 2026، باعتبارها إحدى أبرز المحطات التي اختبرت قدرة التعاون المغربي الإسباني في مجال أمن الحدود على مواجهة التدفقات المفاجئة.

ويشير التقرير إلى أن التدفقات البشرية الكبيرة نحو المدينة وضعت آليات التعاون الأمني بين البلدين أمام اختبار حقيقي، وأظهرت في الوقت نفسه أن التنسيق العملياتي على الأرض لا يلغي وجود خلافات جيوسياسية أعمق مرتبطة بقضايا السيادة والمصالح الاستراتيجية.

ويبرز هذا المعطى، وفق التحليل، صعوبة الفصل بين ملف الهجرة والقضايا السياسية الكبرى التي تطبع العلاقات المغربية الأوروبية والإسبانية، خصوصا في ما يتعلق بملفات السيادة والمصالح الإقليمية.

الهجرة كورقة في “مساومة استراتيجية”

ولا يقدم التقرير المغرب باعتباره مجرد طرف منفذ للسياسات الأوروبية في مجال الهجرة، بل يعتبر أن المملكة تتوفر بدورها على أوراق جيو-استراتيجية وعملياتية تجعل من التعاون في هذا الملف جزءا من تفاوض أوسع مع الشركاء الأوروبيين.

ويشير الكاتب إلى أن ملف الهجرة يرتبط بشكل وثيق بمجموعة من الملفات الأخرى، من بينها المواقف الأوروبية من قضية الصحراء، والعلاقات التجارية، والاستثمارات، والدعم التنموي، إضافة إلى قضايا التنقل القانوني للمواطنين المغاربة.

وبذلك، فإن التعاون في مجال مراقبة الحدود لا يجري، بحسب التحليل، بمعزل عن المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تحكم العلاقات بين الرباط والعواصم الأوروبية.

دعوة إلى تجاوز المقاربة الأمنية

وفي ختام التحليل، يرى شتاتو أن الاعتماد المستمر على المقاربة الأمنية وحدها، من خلال تشديد المراقبة وإقامة الحواجز وتعزيز الردع، لن يكون كافيا لمعالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية على المدى الطويل.

ويدعو، في المقابل، إلى بناء شراكة تقوم على مبدأ “المسؤولية المشتركة” والندية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، مع توسيع مسارات الهجرة القانونية والآمنة، وتعزيز فرص التنقل النظامي، إلى جانب اعتماد سياسات حدودية تراعي حقوق الإنسان وحقوق طالبي اللجوء.

كما يقترح توجيه جزء أكبر من التعاون الأمني نحو تفكيك شبكات الاتجار بالبشر والتهريب الدولية، بدلا من التركيز حصرا على منع المهاجرين من الوصول إلى الحدود الأوروبية.

ويخلص التحليل إلى أن مستقبل الشراكة المغربية الأوروبية في ملف الهجرة لن يتحدد فقط بمدى قدرة الطرفين على تشديد الرقابة على الحدود، وإنما بقدرتهما على إيجاد توازن بين المتطلبات الأمنية، واحترام السيادة، وحماية حقوق الإنسان، وفتح قنوات قانونية للهجرة، بما يجعل التعاون أكثر استدامة وأقل عرضة للأزمات المتكررة.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *