بعد الانتخابات.. حين تنفجر الفقاعة ويعود المواطن إلى واقعه

بعد الانتخابات.. حين تنفجر الفقاعة ويعود المواطن إلى واقعه
علي كراجي

انتهت الانتخابات في المغرب، وانتهت معها تلك الأيام التي كان فيها السياسيون ومرشحوهم يطرقون الأبواب، ويجوبون الأسواق والدواوير، ويتسابقون على المصافحة والسلام، ويحرصون على أن يتركوا لدى كل مواطن انطباعا بأنه أهم شخص في هذا البلد. انتهت الولائم واللقاءات والصور والوعود، وانفضت الجموع من حول المرشحين، وعاد كل واحد إلى مكانه، وعادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد، وكأن شيئا لم يكن.

لكن الانتخابات، في حقيقتها، لا تنتهي بإعلان النتائج. هناك انتخابات تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان أسماء الفائزين، وانتخابات أخرى تبدأ في صباح اليوم التالي، عندما يعود المواطن إلى حياته اليومية ويجد نفسه مجددا أمام الأسئلة نفسها: كيف سيدبر مصاريف السكن؟ كيف سيدفع الماء والكهرباء؟ كيف سيواجه الغلاء؟ كيف سيوفر لأبنائه مصاريف الدراسة؟ كيف سيجد عملا؟ وكيف سيحصل على خدمة عمومية تحترم كرامته وتؤدي وظيفتها كما ينبغي؟ هناك، تحديدا، يبدأ الامتحان الحقيقي لكل من حصل على ثقة الناس.

وفي إقليم الناظور، يمكن طرح السؤال بطريقة أكثر مباشرة: هل استيقظ المواطن بعد الانتخابات على واقع جديد؟ كم من سوق أسبوعي انعقد منذ انتهاء الاقتراع، فعاد المواطنون إلى أماكنهم المعتادة، ولم يجدوا أمامهم شيئا من ذلك الزخم الذي سبق الانتخابات؟ كم من مواطن شاهد الوجوه نفسها التي كانت تصافحه بحرارة قبل أيام، ثم اكتشف أن المسافة عادت إلى ما كانت عليه؟ وكم من واحد عاد من السوق إلى منزله حزينا، لأن ما كان في جيبه من مال لم يعد يسمح له باقتناء كل ما كان يحتاج إليه؟ وكم من مريض قصد المستشفى للعلاج ولم يجد طبيبا أو دواء؟ وكم من طفل لم يتمكن من الذهاب إلى المدرسة لأن التساقطات المطرية عزلت قريته النائية؟.. بالنسبة لهذا المواطن، لا يكفي أن يعرف من فاز ومن خسر، ولا من ينتمي إلى هذه المنطقة أو تلك، لأن معركته الحقيقية تبدأ بعد انتهاء الانتخابات، حين يواجه أسعار السوق وفواتير الحياة ومصاريف الأسرة بجيبه المحدود.

المشكلة أننا كثيرا ما نختزل السياسة في الأشخاص والمناطق والانتماءات، وننسى جوهرها الحقيقي، فيصبح السؤال: من فاز؟ ومن أي مدينة؟ ومن أي قبيلة؟ ومن أي جماعة؟ وكأن انتصار مرشح ينتمي إلى منطقتنا سيجعل مشاكلنا تختفي تلقائيا. هكذا نتصارع من أجل المرشح، ونتخاصم من أجل المرشح، وقد نصل أحيانا إلى القطيعة مع قريب أو صديق لأن اختياره السياسي مختلف، ثم نستيقظ بعد أيام على حقيقة بسيطة تتمثل في أن المرشح فاز أو خسر، أما مشاكلنا فما زالت في مكانها.

وقد كان ما جرى في العروي أمس أي أيام قليلة بعد الانتخابات مثالا واضحا على هذه المفارقة؛ تتبعت، كما تتبع غيري، تلك الحرب الكلامية التي دارت بين مجموعات من سكان العروي والمناطق المجاورة بقبيلة بني بويحيي. كل طرف يدافع عن مرشحه، وكل طرف يرى أن منطقته هي الأفضل، وأن مرشحه هو الأحق بالتمثيل، وأن وصول ابن الرقعة الجغرافية نفسها إلى البرلمان سيشكل، بطريقة أو بأخرى، خلاصا من المشاكل المتراكمة. كان النقاش في كثير من الأحيان أشبه بمباراة في الانتماء، أكثر منه نقاشا حول البرامج والأفكار وما يمكن أن يقدمه المرشح فعلا بعد الانتخابات.

انتهت المعركة، وجاءت النتائج، وفازت العروي ببرلمانيين اثنين في مجلس النواب، ارتفعت جرعة النشوة لدى الأنصار، واعتبر كثيرون أن مدينتهم حققت انتصارا كبيرا، وربما شعر البعض أن فوز ابني المنطقة هو انتصار شخصي لهم. لكن سرعان ما يعود كل شيء إلى حجمه الطبيعي، لأن البرلماني، مهما كان اسمه ومهما كانت المنطقة التي ينتمي إليها، لن يستطيع أن يلغي عن المواطن فاتورة الماء والكهرباء، ولن يمنع عنه الغلاء، ولن يؤدي عنه مصاريف السكن والتمدرس والغذاء، ولن يحل بمفرده كل مشاكل الخدمات العمومية.

والأهم من ذلك كله أن المواطن سيظل محتاجا إلى مؤسسات محلية تعمل بشكل جيد، وإلى مرافق عمومية آمنة، وإلى تدبير مسؤول، وإلى منتخبين يعرفون أن التمثيلية مسؤولية وليست مجرد لقب سياسي.

ولعل الفاجعة التي شهدتها العروي أمس تختصر الكثير من هذه المفارقات. شاب في مقتبل العمر، كان يبحث عن لقمة العيش ويعمل في الألعاب الموجودة داخل الحديقة الإيكولوجية، فقد حياته إثر صعقة كهربائية بالتزامن مع التساقطات المطرية. وبعيدا عن أي استباق لنتائج التحقيق أو توجيه اتهامات إلى أي جهة، فإن الحادث يفرض سؤالا لا يمكن القفز عليه: كيف تتم صيانة المرافق العمومية؟ ومن يراقب شروط السلامة فيها؟ وهل تقوم الجهات المسؤولة بواجبها في المراقبة والصيانة قبل أن تقع الكارثة، أم لا نتحرك إلا بعد سقوط الضحية؟.

هنا يصبح الحديث عن الانتخابات أقل أهمية من الحديث عن المسؤولية، فذلك الشاب لم يكن يبحث عن منصب سياسي، ولم يكن معنياً بمن فاز في الانتخابات ومن خسر. كان يبحث عن لقمة العيش، وانتهى به الأمر ضحية حادث داخل مرفق عمومي يفترض أن يكون آمنا. ولذلك فإن أقل ما يستحقه اليوم هو ألا تتحول وفاته إلى خبر عابر، وألا تنتهي القضية بمجرد كلمات التعزية، بل أن تكون هناك إجابات واضحة حول ما وقع، وأن يتحمل كل طرف مسؤوليته إذا ثبت وجود تقصير أو إهمال.

رحم الله الشاب، وألهم أسرته الصبر والسلوان. لكن الرحمة بالضحايا لا تكون فقط بالدعاء لهم، وإنما أيضا بمنع تكرار ما حدث، وبإخضاع المرافق العمومية للمراقبة والصيانة والمساءلة، لأن حياة المواطن ليست تفصيلا صغيرا في حسابات التدبير.

وفي بني أنصار، وإن لم تسقط روح كما حدث في العروي، فقد سقط شيء آخر لا يقل خطورة: صورة السياسة وهيبة المؤسسة، ممثلون يفترض أنهم موجودون للدفاع عن مصالح الساكنة وجدوا أنفسهم يتقاذفون كلاما جارحا وعبارات سوقية، في مشهد لا يليق بمن يفترض أن يمثل المواطنين داخل مؤسسة منتخبة. وحين يتحول الاختلاف السياسي إلى تبادل للإهانات والملاسنات، فإن المواطن لا يعود أمام خلاف في وجهات النظر، وإنما أمام أزمة في ممارسة السياسة نفسها.

المواطن لا ينتخب ممثليه لكي يتفرج على صراعاتهم، ولا لكي يسمعهم يتبادلون العبارات الجارحة، وإنما ينتخبهم لكي يسألوا عن الطرق والنظافة والإنارة والماء والأسواق والاستثمار والتشغيل والمرافق العمومية وحسن تدبير المال العام. ينتخبهم لكي يكونوا صوتا له داخل المؤسسة، لا لكي تتحول المؤسسة إلى ساحة لتصفية الحسابات.

وهنا تتضح الصورة أكثر: المشكلة ليست في أن تكون للعروي برلمانيان، وليست في أن يكون لبني أنصار منتخبون من هذا الاتجاه أو ذاك، وليست حتى في أن يدافع المواطن عن مرشحه بالناظور او سلوان او أزغنغان… الاختلاف السياسي حق، والانتماء الجغرافي طبيعي، والدفاع عن المنطقة مشروع. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الانتماء الجغرافي بديلا عن المحاسبة، ويصبح الفوز الانتخابي غاية في حد ذاته، ويصبح المواطن سعيدا لأن “ابن المنطقة” فاز، دون أن يسأل ماذا سيفعل هذا الفائز من أجل المنطقة بعد أن يجلس على كرسي المسؤولية.

السياسة لا تقاس بعدد المصافحات في الأسواق الأسبوعية، ولا بعدد الصور، ولا بعدد السيارات التي كانت تجوب الشوارع في الحملة، ولا بحجم الهتافات التي رافقت إعلان النتائج، السياسة تقاس بما يحدث عندما تنتهي الحملة، وعندما يعود السياسي إلى مكتبه، ويعود المواطن إلى بيته، ويبدأ الواقع في طرح أسئلته الصعبة، في تلك اللحظة فقط يتبين من كان يريد فعلا خدمة الناس، ومن كان يريد فقط الفوز عليهم.

لقد انتهت الانتخابات، بفوز حزب الأصالة والمعاصرة بالرتبة الأولى وطنيا، وفي أيام او ساعات سيعلن عن تشكيلة حكومته، انتهت الانتخابات ولإقليم الناظور 4 أعضاء في مجلس النواب، وهناك من يريد أن يرفع الرقم افتخارا بعد إضافة لائحة النساء، لكن حياة المواطن لم تتغير في اليوم التالي. ما زال المواطن نفسه يذهب إلى السوق، وما زال يقف أمام الأسعار نفسها، وما زالت الأسر تحسب مصاريفها، وما زال الشباب يبحثون عن العمل، وما زالت المدن تنتظر خدمات أفضل ومرافق أكثر أمنا وتدبيرا أكثر مسؤولية.

وأمام هذه الصور المتناقضة، هل يمكن القول إنه قد حان الأوان لأن نتوقف عن الاحتفال بالانتصارات الانتخابية وكأنها انتصارات شخصية لنا، وأن نبدأ في طرح السؤال الذي يهم المواطن فعلا: ماذا تغير بعد الانتخابات؟ أو ماذا سيتغير؟.

فمن فاز في الصندوق حصل على التمثيلية، أما الفوز الحقيقي فلا يبدأ إلا عندما يشعر المواطن أن حياته بدأت تتغير نحو الأفضل، أما أن نقضي أسابيع في التناطح دفاعا عن مرشح، ثم نكتشف بعد أيام أننا ما زلنا نواجه الغلاء نفسه، والمشاكل نفسها، والمرافق نفسها، والاختلالات نفسها، فذلك يعني أننا كنا ندافع عن فقاعة كبيرة، قبل أن تنفجر في وجوهنا ونكتشف أنها لم تكن تحمل شيئا ثمينا، وإنما كانت تحمل الهواء فقط.. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي لمن اختارهم الناس.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *