المغرب ورهانات صراع واشنطن وطهران
بقلم – المصطفى اسعد **
في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، لم تعد الحروب شأنا محصورا بين أطرافها المباشرة، بل أصبحت ذات تأثيرات ممتدة تعيد تشكيل موازين القوى عالميا ، ويعد التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران نموذجا صارخا لهذا الواقع، حيث تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط لتصل إلى مناطق بعيدة، من بينها المغرب.
في هذا السياق، لا يقف المغرب موقف المتفرج، بل يتحرك ضمن رؤية استراتيجية واضحة تقوم على استثمار التحالفات وتثبيت موقعه كفاعل إقليمي موثوق ، فالدول التي تنجح في قراءة التحولات الدولية وتكييف سياساتها معها، هي الأكثر قدرة على تحويل الأزمات إلى فرص.
أول مكاسب المغرب يتمثل في علاقته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، حيث تعد الرباط شريكا محوريا في قضايا الأمن ومحاربة الإرهاب ، وقد منح الدعم الأمريكي لمبادرة الحكم الذاتي في ملف الصحراء المغربية زخما دبلوماسيا واضحا للموقف المغربي، وساهم في تعزيز حضوره داخل المنتظم الدولي ، ويرى عدد من المحللين أن هذا التحول يعكس مقاربة براغماتية أمريكية تفضل الاستقرار والحلول الواقعية خصوصا مع أحقية الملف المغربي تاريخيا وقانونيا ومن جميع الجوانب .
في هذا الإطار، يشير المفكر الأمريكي هنرى كيسنجر إلى أن “السياسة الدولية تبنى على موازين القوى والمصالح لا على النوايا”، وهو ما يفسر إلى حد كبير توجه الولايات المتحدة نحو دعم حلول عملية ومستقرة في القضايا الإقليمية.
إلى جانب ذلك، تشكل العلاقات المغربية مع دول الخليج، خاصة البحرين ، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، دعامة أساسية في تموقع الرباط الإقليمي ، هذه الشراكات، التي تجمع بين الاستثمار والدعم السياسي والتنسيق الاستراتيجي، تعزز موقع المغرب ضمن محور داعم للاستقرار ، وكما يذهب الصحفي الشهير فريد رفيق زكريا ، فإن “الدول التي تنجح في بناء علاقات متعددة الاتجاهات تكون أكثر قدرة على التأثير في النظام الدولي”.
اقتصادياً، يمتلك المغرب ورقة قوية تتمثل في الفوسفاط، عبر المكتب الشريف للفوسفاط، الذي يعد من أبرز الفاعلين عالميا في سوق الأسمدة ، ومع اضطراب سلاسل التوريد العالمية، تزداد أهمية هذه المادة الحيوية، ما يمنح المغرب نفوذا اقتصاديا متناميا.
كما يبرز البعد الديني كعنصر مهم في قوة المغرب الناعمة، حيث يعتمد نموذجا دينيا قائما على الوسطية تحت قيادة الملك محمد السادس بصفته أميرا للمؤمنين ، هذا النموذج، القائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، يختلف عن النموذج الذي تمثله إيران بمرجعيتها الشيعية، ما يعكس تباينا في الرؤية الدينية والسياسية في العالم الإسلامي.
وفي السياق الفكري المغربي، يرى المفكر المهدي المنجرة أن “التحكم في المستقبل لا يكون بردود الفعل، بل بالاستعداد المبكر وفهم ديناميات التغيير”، وهو تصور ينسجم مع المقاربة المغربية القائمة على الاستباق الدبلوماسي وتنوع الشراكات.
في المقابل، لا تخلو هذه التحولات من تحديات ، فالتصعيد بين واشنطن وطهران قد يؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة، ما ينعكس على الاقتصاد المغربي المستورد للنفط. كما أن ارتفاع منسوب التوتر الدولي يخلق حالة من عدم اليقين قد تؤثر على الاستثمارات الأجنبية والسياحة، وتفرض على المغرب إدارة دقيقة لتوازناته الخارجية.
وعلى المستوى الإقليمي، يبقى المغرب في موقع يسمح له بتعزيز مكتسباته، في وقت تواجه فيه أطراف أخرى تحديات مرتبطة بفعالية تحالفاتها وقدرتها على التأثير في الساحة الدولية.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز اليقظة الدبلوماسية كعنصر حاسم في السياسة الخارجية المغربية، حيث يحرص المغرب على اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على تنويع الشراكات وتفادي الاصطفاف الحاد، مع الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية ، هذه اليقظة لا تعني فقط رد الفعل، بل تشمل استباق المخاطر وقراءة التغيرات الدولية بشكل مبكر، بما يسمح بتحويل التهديدات إلى فرص وتعزيز موقع المملكة في محيط إقليمي ودولي متغير.
في المحصلة، يكشف صراع واشنطن وطهران أن المغرب ليس مجرد متأثر سلبي بالتوترات الدولية، بل فاعل قادر على استثمارها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة ، فبفضل تحالفاته المتوازنة، وموارده الاقتصادية، ونموذجه الديني المعتدل، استطاع أن يعزز موقعه في محيط دولي مضطرب.
وبينما تتغير موازين القوى العالمية، يبرز المغرب كدولة تعتمد على الدبلوماسية الهادئة وبناء الشراكات طويلة الأمد، ما يجعل رهانه الأساسي هو تحويل التحولات الدولية إلى فرص، وتثبيت حضوره كقطب استقرار في منطقة تعرف تحديات متزايدة.
** مدير نشر المغرب الآن ورئيس المركز المغاربي للإعلام والديمقراطية



