اختراق ناعم للعدل والإحسان يثير الجدل داخل الزاوية البودشيشية
من صلابة الشيخ حمزة إلى مرحلة التغلغل التنظيمي
لم تكن الزاوية القادرية البودشيشية، عبر تاريخها الطويل، مجرد مؤسسة صوفية معزولة عن التحولات التي عرفها المغرب دينياً وسياسياً، بل شكلت لعقود أحد أبرز معاقل التصوف المرتبط بالثوابت الدينية للمملكة، وفي مقدمتها إمارة المؤمنين باعتبارها الضامن المركزي لوحدة المرجعية الدينية المغربية.
ولهذا الاعتبار بالذات، ظلت جماعة العدل والإحسان تنظر إلى الزاوية باعتبارها فضاءً استراتيجياً بالغ الأهمية، بالنظر إلى امتدادها الروحي داخل المغرب وخارجه، وشبكاتها الاجتماعية الواسعة، وقدرتها على التأثير داخل الحقل الديني. فالجماعة التي أسسها عبد السلام ياسين لم تُخف يوماً سعيها إلى التغلغل داخل المؤسسات والفضاءات ذات التأثير المجتمعي، في إطار مشروع يقوم على بناء نفوذ موازٍ للمؤسسات الرسمية.
وخلال فترة الشيخ الراحل حمزة القادري بودشيش، ظل هذا الطموح يصطدم، بحسب متابعين للشأن الصوفي، بحاجز قوي من الحذر والرفض. فالراحل كان معروفاً بتمسكه بخط الزاوية التاريخي القائم على التربية الروحية والابتعاد عن الصراعات التنظيمية والسياسية، مع الحفاظ على الارتباط بثوابت الدولة المغربية وإمارة المؤمنين.
تغيرات بعد وفاة الشيخ حمزة
لكن المعطيات التي يتداولها متابعون للشأن الديني تشير إلى أن الوضع بدأ يتغير تدريجياً بعد وفاة الشيخ حمزة بودشيش، حيث تتحدث قراءات متعددة عن نجاح جماعة العدل والإحسان في التموقع بهدوء داخل بعض دوائر التأثير المرتبطة بالزاوية، مستفيدة من حالة التوتر والصراعات الداخلية التي ظهرت لاحقاً حول المشيخة وتوازنات النفوذ.
وتُعرف الجماعة، وفق مراقبين، بأسلوب “التغلغل الهادئ” داخل الفضاءات الاجتماعية والدينية، عبر بناء شبكات تأثير تدريجية بدل المواجهة المباشرة، وهو ما يعتبره متابعون السيناريو الذي بدأ يتكرر داخل المحيط البودشيشي خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب هذه القراءات، فإن شخصيات محسوبة على الجماعة أو قريبة من خطابها الفكري بدأت تحضر بشكل متزايد داخل محيط القرار والتأثير، بالتوازي مع تحولات لافتة في أسلوب التدبير والخطاب والتنظيم داخل الطريقة.
منير القادري في قلب الاتهامات
وفي قلب هذا الجدل، يبرز اسم منير القادري بودشيش باعتباره، في نظر منتقديه، الشخصية التي فتحت الباب أمام هذا التغلغل التدريجي داخل الزاوية، بعدما تحول من مجرد فاعل داخل المؤسسة الروحية إلى طرف مؤثر في إعادة تشكيل مراكز القرار والنفوذ داخلها.
ولا يتحدث منتقدو منير القادري عن مجرد تقارب عابر مع شخصيات قريبة من جماعة العدل والإحسان، بل عن مسار كامل أدى، بحسب توصيفهم، إلى خلق بيئة تنظيمية تسمح بإعادة توجيه الزاوية نحو منطق أقرب إلى العقلية التنظيمية التي تعتمدها الجماعة.
ويعتبر هؤلاء أن أخطر ما حدث لم يكن فقط السماح بحضور شخصيات ذات ارتباط فكري أو تنظيمي بالجماعة، بل إضعاف الخط التاريخي الذي كان يمثله الشيخ الراحل حمزة بودشيش، والذي قام على تحصين الزاوية من أي اختراق سياسي أو إيديولوجي.
من مؤسسة روحية إلى عقلية تنظيمية
وتتحدث أصوات غاضبة داخل محيط الزاوية عن تحولات لم تعد، بحسب تعبيرها، تشبه تقاليد التصوف المغربي المبنية على التربية الروحية والانفتاح، بل باتت أقرب إلى نموذج “التنظيم المغلق” الذي تعتمد عليه جماعة العدل والإحسان.
ويشير متابعون إلى بروز ممارسات يعتبرونها دخيلة على المدرسة البودشيشية، من قبيل صناعة دوائر ولاء داخلية، ومحاولات التحكم في مفاصل القرار الروحي والتنظيمي، إلى جانب تهميش الأصوات المعارضة، وإعادة ترتيب المحيط القيادي وفق معيار الولاء الشخصي بدل الامتداد الروحي والعلمي الذي عُرفت به الزاوية تاريخياً.
ويرى مراقبون أن هذه التحولات لم تأت بشكل عفوي، بل جاءت نتيجة مسار ممنهج سمح، بشكل مباشر أو غير مباشر، بتموقع تيارات قريبة من الجماعة داخل مواقع حساسة، مستفيدة من حالة الانقسام التي أعقبت وفاة الشيخ حمزة القادري بودشيش.
تشابه متزايد مع أسلوب العدل والإحسان
وبحسب محللين، فإن طريقة تدبير الأزمة الداخلية داخل الزاوية أصبحت تعكس بشكل متزايد الأسلوب التنظيمي الذي اشتهرت به جماعة العدل والإحسان في إدارة النفوذ والصراعات الداخلية.
فمنطق الاصطفاف، وصناعة “المريد التنظيمي” بدل “المريد الروحي”، واعتماد خطاب تعبوي قائم على التخندق والانقسام، كلها مؤشرات يعتبرها متابعون دليلاً على أن الزاوية بدأت تفقد تدريجياً جزءاً من هويتها الصوفية التقليدية لصالح منطق تنظيمي مؤدلج.
وتذهب بعض الأصوات المنتقدة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن تشبث منير القادري بالمشيخة، رغم تصاعد الانتقادات داخل جزء من المحيط البودشيشي، يشبه أسلوب الجماعة في فرض الأمر الواقع وبناء مراكز نفوذ موازية، وفق توصيفهم.
معاذ القادري ورفض مسار الاختراق
في المقابل، يرى متابعون أن الشيخ معاذ القادري بودشيش، بحكم قربه الطويل من جده الراحل وفهمه لمنهج الزاوية التاريخي، أدرك مبكراً خطورة هذا المسار، ورفض الانخراط في أي مشروع من شأنه تحويل الزاوية من مؤسسة روحية جامعة إلى فضاء يخدم أجندات تنظيمية وإيديولوجية.
ويؤكد هؤلاء أن الشيخ الراحل حمزة بودشيش ظل يعتبر إمارة المؤمنين صمام أمان للحقل الديني المغربي، بينما يتهم منتقدو منير القادري هذا الأخير بالسير في اتجاه معاكس، عبر التساهل مع تيار ظل لعقود في مواجهة مفتوحة مع الدولة ومؤسساتها.
هل فقدت الزاوية استقلاليتها؟
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة داخل الأوساط المتابعة لهذا الملف: هل ما تزال الزاوية القادرية البودشيشية تحتفظ باستقلاليتها الروحية، أم أنها أصبحت تدريجياً رهينة لتوازنات جديدة تتحكم فيها شبكات قريبة من جماعة العدل والإحسان؟
فالمخاوف المتصاعدة لا ترتبط فقط بصراع داخلي حول المشيخة، يتهم منير القادري بإذكائه والتشبث به، بل أيضاً بإمكانية تحويل واحدة من أبرز الزوايا بالمغرب إلى منصة نفوذ لتنظيم يعتبره كثيرون في تعارض مع النموذج الديني المغربي القائم على إمارة المؤمنين والتصوف السني المعتدل.
وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تبدو معركة الزاوية اليوم أبعد من مجرد خلاف تنظيمي أو عائلي، بل معركة حول هوية المؤسسة نفسها، وحول ما إذا كانت ستظل وفية للخط الروحي الذي بناه الشيخ الراحل حمزة القادري بودشيش، أم أنها تتجه تدريجياً نحو التحول إلى ساحة اختراق تخدم مشروعاً تنظيمياً ظل، بحسب متابعين، ينتظر اللحظة المناسبة للتغلغل داخل عمق الحقل الديني المغربي.



