ماستر الترجمة والتواصل والإعلام بطنجة يفتح نقاشا وطنيا حول الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي
فكري ولاد علي – طنجة
بادر ماستر الترجمة والتواصل والإعلام، التابع لمدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، إلى تنظيم ندوة وطنية مهمة حول موضوع: “الذكاء الاصطناعي، شبكات التواصل الاجتماعي والصحافة: فهم مستقبل الإعلام بالمغرب”، وذلك يوم السبت 13 يونيو 2026، بفضاءات فيلا دو فرانس بمدينة طنجة، وبشراكة مع المدرسة العليا للعلوم الجديدة والهندسة ENSI. ، وحملت هذه التظاهرة اسم Media Talk، في صيغة جمعت بين النقاش الأكاديمي والبعد المهني، من خلال حضور صحافيين وأساتذة جامعيين وكتاب ومثقفين وخبراء في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب طلبة الماستر الذين انخرطوا في مختلف مراحل الإعداد والتنظيم.
وقد بدا من خلال طبيعة اللقاء أن المبادرة لم تكن مجرد نشاط مواز داخل مسار جامعي، بل شكلت امتدادا عمليا لتكوين يراهن على ربط المعرفة النظرية بالممارسة الميدانية. فالندوة أتاحت للطلبة فرصة الاحتكاك المباشر بمهنيي الإعلام وخبراء التواصل والتكنولوجيا، كما منحتهم تجربة عملية في التنظيم، والتنسيق، والتواصل، وتدبير حدث مفتوح على قضايا مهنية راهنة. وفي هذا السياق، أكد الدكتور حامد بركاش، المنسق البيداغوجي لماستر الترجمة والتواصل والإعلام ورئيس شعبة الفرنسية بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة، أن تنظيم هذه الندوة يندرج ضمن تصور يجعل من الجامعة فضاء منفتحا على التحولات التي تعرفها المهن الإعلامية والتواصلية.
وأوضح أن التكوين الجامعي لا يمكن أن يظل حبيس الجانب النظري، بل يحتاج إلى مبادرات ميدانية تسمح للطلبة باختبار معارفهم داخل وضعيات حقيقية. وأضاف بركاش أن ماستر الترجمة والتواصل والإعلام يسعى إلى تكوين كفاءات قادرة على الجمع بين اللغة، والترجمة، والإعلام، والتواصل، والانفتاح على التكنولوجيا، بما يجعل الطلبة أكثر استعدادا لفهم التحولات الرقمية التي يعرفها سوق الشغل ومهن المستقبل. ومن جهتهم، توقف عدد من المشاركين والضيوف عند أهمية هذا النوع من المبادرات الجامعية، معتبرين أن حضور الطلبة في تنظيم تظاهرة بهذا الحجم يعكس وعيا متقدما بأهمية الانتقال من التلقي النظري إلى التمرين العملي. كما أشار عدد من الأساتذة والمهنيين الحاضرين إلى أن مثل هذه اللقاءات تساهم في تقريب الجامعة من محيطها، وتفتح أمام الطلبة إمكانات أوسع لفهم واقع المهنة وانتظاراتها.
الصحافة المغربية أمام اختبار التحول الرقمي
ناقشت الندوة التحولات العميقة التي مست مهنة الصحافة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، وتزايد حضور أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، وتحليل المعطيات، وتتبع اهتمامات الجمهور.وأكد المتدخلون أن هذه التحولات لا تطرح أسئلة تقنية فقط، بل تفتح نقاشا أوسع حول مستقبل المهنة، وحدود استعمال الخوارزميات في إنتاج الأخبار، ودور الصحافي في التحقق والتحليل وحماية المصداقية.كما شدد عدد من المشاركين على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكل فرصة لتطوير الأداء الصحافي، شرط أن يتم استعماله بوعي ومسؤولية، وألا يتحول إلى بديل عن الصحافي أو إلى أداة تمس باستقلالية القرار التحريري.
من يكتب مستقبل الإعلام؟
الجلسة الأولى من الندوة، التي حملت عنوان «الذكاء الاصطناعي، الإعلام والتواصل: من يكتب المستقبل؟»، ناقشت العلاقة المتغيرة بين الصحافة والتكنولوجيا، من خلال مداخلات قاربت الموضوع من زوايا مهنية وأكاديمية وتقنية.وتوقف الصحافي والباحث مروان قباج عند أثر الثورة الرقمية على ممارسة الصحافة وعلى تدريسها، مبرزا أن المهنة لم تعد تشتغل بالأدوات نفسها التي عرفتها في السابق، بفعل تغير طرق الوصول إلى المعلومة وتلقيها وتوزيعها.من جهته، تناول مهدي عمري، الخبير في الذكاء الاصطناعي والتواصل الرقمي والأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، إمكانية بناء علاقة تكامل بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، معتبرا أن القيمة الحقيقية للعمل الصحافي تظل مرتبطة بقدرة الإنسان على التحليل، والتحقق، وإعطاء المعنى.أما أنور المختاري، المهندس في تكنولوجيا المعلومات والمسؤول عن تطوير التطبيقات بمؤسسة ميدي1، فقد قدم نماذج تطبيقية حول إمكانات توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الإعلام، خاصة في تسريع بعض مراحل الإنتاج وتحسين تدبير المحتوى.
الخوارزمية والصحافي
أما الجلسة الثانية، التي جاءت تحت عنوان «الخوارزمية والصحافي: نحو نظام إعلامي مغربي جديد»، فقد قاربت أثر المنصات الرقمية على بنية العمل الصحافي وعلى علاقة المؤسسات الإعلامية بجمهورها.وشارك الصحافي ومقدم البرامج بـ Medi1TV، نوفل العواملة، بمداخلة حول الإعلام المرئي والذكاء الاصطناعي، متوقفا عند فرص التكامل ومواطن التوتر بين التكنولوجيا والعمل التلفزيوني.كما ركز المنشط التلفزيوني ومنتج المحتوى أسامة بنجلون على ضرورة تكيف الصحافيين مع الأشكال الجديدة للمحتوى، مثل الفيديوهات القصيرة، والبث المباشر، والبودكاست، والسرد الرقمي، والمضامين المصممة للهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي.أما نادية باكيرو، المقدمة ورئيسة التحرير بـ Medi1TV، فقد تناولت أثر الذكاء الاصطناعي في الممارسة الصحافية اليومية، خاصة ما يرتبط بالتحقق من الأخبار، ومواجهة الأخبار الزائفة، والحفاظ على جودة المادة الإعلامية.
تكوين لا ينحصر في قاعات الدرس
أبرزت الندوة أن التحولات الرقمية التي يعرفها الإعلام تفرض على الجامعة المغربية تطوير مسارات التكوين وربطها أكثر بالممارسة المهنية. وفي هذا الإطار، ظهر ماستر الترجمة والتواصل والإعلام كفضاء تكويني يحاول الجمع بين الدرس الجامعي والتجربة التطبيقية، وبين المعرفة الأكاديمية والانفتاح على قضايا الإعلام المعاصر. وقد اعتبر عدد من المشاركين أن إشراك الطلبة في تنظيم مثل هذه المبادرات يمنحهم فرصة لفهم واقع المهنة عن قرب، والتعرف على انتظارات المؤسسات الإعلامية، واكتساب مهارات عملية لا يمكن تحصيلها من خلال المحاضرات وحدها. كما أكد النقاش أن الصحافي والمترجم والمتخصص في التواصل لم يعد مطالبا فقط بالتمكن من أدوات اللغة والتحرير، بل أصبح مطالبا أيضا بفهم البيئة الرقمية، وآليات اشتغال المنصات، وأثر الخوارزميات في تشكيل الرأي العام وتوجيه استهلاك الأخبار.
أخلاقيات المهنة في زمن المنصات
لم يقتصر النقاش على الجانب التقني، بل امتد إلى سؤال الأخلاقيات والمسؤولية. فقد أكد المشاركون أن الصحافة، مهما تغيرت أدواتها، مطالبة بالحفاظ على وظيفتها الأساسية في خدمة الحق في الخبر، وتقديم معلومة دقيقة وموثوقة. كما تمت الإشارة إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل علاقة الجمهور بالإعلام، وفرضت على المؤسسات الصحافية تطوير طرق اشتغالها دون السقوط في منطق السرعة على حساب المصداقية. وفي هذا السياق، برزت أهمية التكوين الجامعي في إعداد جيل جديد من الصحافيين والمترجمين والمتخصصين في التواصل، القادرين على التعامل مع بيئة رقمية متحركة، دون التفريط في القواعد المهنية الأساسية.
Media Talk.. جسر بين الجامعة والمهنة
من خلال هذه الندوة، تحولت Media Talk إلى فضاء للحوار بين الجامعة والمهنة، وبين الصحافي والخوارزمية، وبين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات الممارسة الإعلامية. كما أبرزت أن المبادرات الجامعية، حين تنفتح على قضايا العصر، تستطيع أن تمنح الطلبة تجربة تكوينية أوسع من حدود الدرس النظري. وبذلك، لم تكن طنجة فقط فضاء لاحتضان نقاش حول الذكاء الاصطناعي والصحافة، بل كانت أيضا مناسبة لإبراز دور التكوين الجامعي في مواكبة التحولات التي يعرفها الإعلام والمجتمع. وتؤكد هذه المبادرة أن مستقبل الإعلام لا تحدده التكنولوجيا وحدها، بل تصنعه أيضا كفاءات قادرة على استعمالها بوعي ومسؤولية، في خدمة المعلومة، والمجتمع، والحق في إعلام مهني وموثوق.


