المغرب يمنح الأولوية لتجاوز آثار التغيرات المناخية وتصدير “الطاقة الخضراء”

دفعت الضغوط المتزايدة على الموارد المائية مع توالي سنوات الجفاف وقلة التساقطات المطرية المملكةَ المغربية إلى تنزيل خطط للتكيف مع هذه التغيرات المناخية، من خلال وضع سياسة مائية تعزز مرونة الاقتصاد الوطني وقدرته على مواجهة هذه التحديات، خاصة في الميدان الزراعي عبر توسيع الاستثمارات في موارد المياه غير التقليدية، غير أنه رغم هذه الجهود، لا يزال قطاع الماء يعاني من صعوبات مرتبطة أساسا بتعدد الفاعلين في تدبير هذا القطاع الحيوي و”ضعف التنسيق فيما بينهم وغياب إدارة فعالة للتحكم في استهلاك المياه”.

كانت هذه أبرز الخلاصات التي توصلت إليها ورقة بحثية حديثة نشرها “مركز الإمارات للسياسات” تحت عنوان “تسريع وتيرة التكيف: الاستراتيجية المغربية لمواجهة آثار التغير المناخي”، أكدت أن المبادرات الاقتصادية التي تطلقها المملكة تأخذ بعين الاعتبار تسريع وتيرة التحول إلى الاقتصاد الأخضر باستخدام مصادر الطاقات المتجددة.

وضعية مقلقة

الوثيقة ذاتها ذكرت أن تعاقب موجات الجفاف مع انخفاض معدل التساقطات المطرية، نتج عنه تراجع حاد في الحصة السنوية للفرد المغربي من المياه، التي تقدر حاليا بـ620 مترا مكعبا سنويا، مع توقع انخفاض هذا الرقم إلى 560 مترا مكعبا بحلول سنة 2030، وبذلك يقترب “المغرب من الحد المطلق لندرة المياه، الذي حددته منظمة الأمم المتحدة في 500 متر مكعب لكل فرد”.

كما أن هذا الشح المائي الذي بات يتهدد المغرب، أثر بشكل ملحوظ على القطاع الفلاحي الذي يشكل أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، إذ احتل المرتبة الثالثة ضمن القطاعات المصدرة بقيمة تجاوزت 80 مليار درهم برسم السنة الماضية.

مع هذه الوضعية المقلقة، يتوقع أن يتقلص حجم الإنتاج الزراعي، في حال لم يُؤسَس لنموذج فلاحي يعزز مناعة الاقتصاد المغربي ضد آثار التغير المناخ، كما “سجلت الرباط خلال السنة الماضية ارتفاعا قياسيا في درجات الحرارة، مع ما نتج عن ذلك من حرائق، بلغت أكثر من 500 حريق، أتت على أكثر من 22 ألف هكتار من المساحة الغابوية”، وفق بيانات رسمية.

المصدر عينه توقع تناقص الخط الساحلي للواجهة المتوسطية للمغرب بمعدل سنوي يصل إلى 14 سنتمترا، وبمعدل 12 سنتيمترا بالنسبة للواجهة الأطلسية، إضافة إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب تداعيات الاحتباس الحراري وتزايد الأنشطة البشرية على الأشرطة الساحلية، خاصة أنشطة استخراج الرمال.

وأضاف أن “هذا الوضع المقلق من المحتمل أن ينعكس سلبا على أنشطة السياحة الشاطئية في المغرب، كما أن هذه الظواهر المناخية قد تؤدي إلى تقليل جاذبية المملكة بالنسبة للسياح الأجانب”.

جهود كبيرة

هذا الوضع الخطير وعى به المغرب مبكرا، من خلال اتخاذ جملة من التدابير الرامية إلى تعزيز الحوكمة المناخية في سبيل التخفيف من آثار هذه التقلبات، كما وضع استراتيجيات ذات بعد تنموي مستدام، مع التركيز على استقطاب رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا الهادفة إلى التقليل من الانبعاثات الكربونية والتقليل من آثار هذه التقلبات المناخية.

وسجلت الورقة البحثية سالفة الذكر أن السياسية المناخية للمغرب ركزت على التعامل مع إشكالية تدبير الموارد المائية من جهة، وتعزيز التوجه نحو الاستثمار في الطاقات النظيفة من جهة أخرى، وهو ما تجلى في إطلاق استراتيجيات قطاعية عدة تحرص على دمج البعد البيئي ومسألة التغير المناخي في المجالات الرئيسية كالزراعة والصناعة والسياحة والصيد البحري، وغيرها من القطاعات الأخرى، ويعكس هذا التوجه التزام المملكة بالانتقال نحو إنتاج مستدام ومنخفض الكربون.

وبالإضافة إلى هذه الجهود، سعت المملكة إلى وضع مخططات استثمارية لتقليل الاعتماد على السدود التي لم تعد كافية لسد العجز المائي الحالي، عبر تشييد محطات لتحلية مياه البحر، إذ يُتوقع إنجاز ثلاث محطات هذه السنة، بكل من مدن الدار البيضاء والجديدة وأسفي، لتنضاف بذلك إلى المحطات التسع التي تتوفر عليها البلاد وتقدر طاقتها الإنتاجية بحوالي 150 مليون متر مكعب من المياه.

في الصدد ذاته، توقعت الوثيقة الصادرة عن المركز البحثي الإماراتي أن “تضاعف الحكومة المغربية من القدرة الإنتاجية لهذه المحطات بما يتماشى مع استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030 التي تراهن على تعبئة الموارد المائية غير التقليدية”.

استثمارات ضخمة

في ما يتعلق بالاستثمار في الطاقات المتجددة، سلط المصدر عينه الضوء على استراتيجية المغرب للتحول إلى دولة مصدرة للطاقات الخضراء، وفق أهداف الخطة الوطنية منخفضة الكربون 2050، التي قدمتها المملكة إلى الأمم المتحدة نهاية العام 2021.

وللتقليص من تبعيته الطاقية إلى الخارج، حرص المغرب على خلق بيئية استثمارية جاذبة للاستثمار الأجنبي في مجال الطاقات المتجددة، وهو ما توج بشراكات كبرى مع عدد من الدول، على غرار ألمانيا التي وقعت معها المملكة في يونيو 2020 اتفاقا لتأهيل قطاع الهيدروجين الأخضر، لتصبح بذلك الرباط أول عاصمة توقع معها الجمهورية الألمانية اتفاقا من هذا النوع.

كما سلطت الوثيقة الضوء على مشروع “XLINIKS” البريطاني، الذي يروم إنشاء أطول خط كهرباء بحري على الصعيد العالمي لإنتاج أكثر من 10 جيغاواط من الكهرباء الخالية من الكربون لتزويد ملايين المنازل البريطانية بالكهرباء بحلول سنة 2030، انطلاقا من جهة كلميم واد نون، مع ربطها بموصلات بينية تحت سطح البحر وصولا إلى الغرب البريطاني، بشراكة إماراتية.

وخلصت الورقة إلى أن “الجهود المبذولة على الصعيد الوطني لتسريع وتيرة الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، والشراكات التي نسجها المغرب مع عدد من الدول في هذا الإطار، إضافة إلى خطة الوصول إلى الحياد الكربوني في أفق سنة 2050، ستجعل من المملكة وجهة جاذبة لرأس المال الخارجي ودولة مصدرة للطاقة الخضراء، لاسيما باتجاه الاتحاد الأوروبي”.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *