المرأة وقود صناديق الاقتراع و(الكوطا) آلية لتحجيم دورها السياسي والاجتماعي
بقلم – ذ. محمد بادرة
(كل حـــــــــزب يغنـــــــــــــــي “لليـــــــــــــلاه”)
أغلب البلدان الديموقراطية التي تعتمد العملية الانتخابية كآلية للوصول الى مواقع صنع القرار لا تقصي المرأة ولا تستبعدها من الحياة السياسية لأنها مواطنة كاملة الأهلية لها الحق في التصويت وفي الترشح للانتخابات مثل الرجل ولها القدرة على تسيير الشأن العام بكفاءة ونجاح، وتشارك الرجل في صنع القرار السياسي وفي التنمية المجتمعية. ولقد أوجدت بعض الدول آليات للتمييز الإيجابي وأنظمة حصص (الكوطا) لفرض المشاركة الواسعة للمرأة في الحياة السياسية ورفع نسبة تمثيلها داخل البرلمان والمجالس المنتخبة ولا سيما في البلدان التي تتسم بطبيعة اجتماعية وثقافية ودينية مختلفة.
في المغرب عرف نظامنا الانتخابي هذا الشكل من أنظمة الحصص(كوطا) لتحفيز المشاركة النسائية في العمل السياسي والبرلماني، وفي البداية تم تخصيص 30 مقعدا برلمانيا للنساء في اطار لائحة وطنية ولأول مرة سنة (2002)، وفي عام 2011 ارتفع عدد المقاعد البرلمانية المخصصة للنساء في اللائحة الوطنية الى 60 مقعدا تزامنا مع دستور 2011 الذي نص على السعي نحو المناصفة، وجاءت انتخابات 2021 ليتم الانتقال من نظام اللائحة الوطنية الى اعتماد لوائح الدوائر الجهوية للنساء، وقد ساهمت هذه الآلية التمييزية الايجابية في الرفع من الحضور العددي للنساء داخل قبة البرلمان، ويراها العديد من المهتمين بالشأن السياسي أنها (الكوطا) حققت نجاحا كميا لكنها تواجه تحديات نوعية حيث تحولت أنظمة الحصص (الكوطا) الى آلية فوقية لم تكن كافية وحدها لخلق نخب نسائية قيادية قوية قادرة على فرض نفسها في المنافسة الحرة خارج أسوار الحصص القانونية، كما أن نسبة حضور المرأة وفق نظام الحصص لا ينسجم مع حجم المرأة السياسي والاجتماعي والثقافي وبذلك هناك نوع من التهميش والاقصاء لدور المرأة في مواقع صنع القرار.
اذا كانت الغاية المثلى من الكوطا النسائية هو تصحيح اختلال تاريخي في تمثيل المرأة وتوسيع مشاركتها السياسية وتعزيز مبدأ المساواة والانصاف وادخال كفاءات نسائية فاعلة في بنية العمل السياسي غير أن هذه الفلسفة السياسية لإنصاف النوع تعرضت للتشويه والتحجيم حين تحولت (الكوطا) الى مجرد مقعد برلماني مضمون تستغله اللوبيات الحزبية ذات النفوذ المالي والحزبي لفرض (أسماء وعينات نسائية) لا تعبر عن القاعدة الشعبية أو التنظيمية للحزب مما يؤدي الى فصل (الكوطا) عن جوهر هدفها الإصلاحي وحينئذ تبخس (الكوطا) النسائية الارادة الديموقراطية في المساواة والأنصاف عبر فرض أسماء نسائية لا تملك شرعية ديموقراطية وحزبية حقيقية، فهي اما قريبة من القائد أو الأمين العام (النفوذ العائلي) أو لها نفوذ مالي (شراء التزكية !!) أو نفوذ تنظيمي وسلطة قرار فردي في حزب مهلهل التنظيم أو نفوذ جهوي ومحلي من “سلالة” اقطاعية أو ذات منصب سامي (وزيرة) ويتم ربط تزكيات النساء ودعم مشاركتهن السياسية بالولاء للقيادة لا للقاعدة الحزبية أو تحت تأثير المال الفاسد مما يقوض العمل السياسي الحر والنزيه ليعاد انتاج نفس الوجوه النسائية المحظوظة (المحظيات)من الزعيم ومن فريقه المهيمن على الحزب. وتستمر هيمنة “المحظيات” على حصص (الكوطا) ويستمر معه وجودهن في البرلمان دون أن تمتلكن مشروعا مجتمعيا اصلاحيا أو رصيدا نضاليا وثقافيا، وهنا يسلب رأي المجتمع وحقه في اختيار ممثليه ويقطع الطريق على النساء المناضلات اللواتي يملكن حضورا نضاليا وسياسيا وثقافيا حقيقيا ومشروعا اجتماعيا وحقوقيا لفائدة النساء والمجتمع كافة.
ومع مرور دورات انتخابية متعددة يبدأ ظهور اشكال جوهري يتمثل في تحول (الكوطا) النسائية من أداة لتمكين المرأة الى أداة سياسية لتبخيس قوتها وتحجيم دورها السياسي والاجتماعي والثقافي وبالتالي الانتقاص من الإرادة الديموقراطية واضعاف جودة التمثيل السياسي -النوعي الذي يفترض أنه يعكس حجم وخيارات الناخبين لا الحسابات الضيقة للأحزاب والمصالح الشخصية لقادتها فتستبعد الفعاليات النسائية القياديات اللائي تملكن القدرة على صناعة فرق سياسي وتشريعي اصلاحي وبالتالي يخسر المجتمع الكفاءات النسائية القيادية ممّن يملكن الأهلية والكفاءة والقدرة على دفع المشروع الديموقراطي نحو النضج.
نحن اليوم على بعد خطوات قليلة من تشريعيات 2026 ظهرت المرأة بصورة قوية في برامج الأحزاب وشعاراتها وخطابها استعدادا للاقتراع الحاسم للفوز بالمقاعد الانتخابية وبدأت الأحزاب كعادتها تغازل واقع المرأة “المتردي” على كافة الأصعدة ولا تبتعد تلك المغازلة عن الهتاف بحقوقها والدفع بها للوصول الى المراكز القيادية والصراخ بمظلوميتها التاريخية والعنف المستشري ضدها داخل الأسرة – وفي العمل – وفي الشارع- وفي الحياة العامة..
ا- كل حزب يغني “لليلاه” ولكن “ليلى” غارقة في الظلمة حتى أذنيها وغارقة في دوامة مشاكل الحياة اليومية ولا مخرج أمامها.. فإلى من تشتكي؟ من سيستمع اليها؟ تلتفت فلا تجد من يعيلها بعد فقد المعيل ولا من يبعد العنف عنها.. تفتقد المأوى والأمن وتتمرغ في البطالة المقنعة.. تتعرض للإقصاء والتحرش في العمل والحرمان من الإرث وعرقلة الوصول الى مناصب المسؤولية.. والكوطا آلية لتحجيم صوتها داخل الحزب وخارجه !!
ب- كل حزب يدعي وصلا “بليلاه”، يقيم “لليلى” أوراشا من العمل ومن الندوات والمؤتمرات واللقاءات وكأنه اكتشف وجودها حديثا وعرف حجم ما تعانيه لينافق المرأة ويستغل قضاياها ويرفع شعارات برّاقة حول حقوقها وينادي بالمساواة والانصاف فقط في المواسم الانتخابية ويهملها بعد الوصول الى السلطة، وان استقطاب الأحزاب للنساء هو استقطاب شكلي لتحسين وتجميل واجهة الحزب دون تمكينها من مراكز صنع القرار وهذا لا يخفى على المرأة التي خبرت كل صنوف اهمالها فما الذي يريده الساسة منها الآن؟
ت- كل حزب يقيم “لليلاه” أعراسا انتخابية يقدمها للناخبين والمدعوين في شكل اكتشاف جديد ومسحوق لتجميل الجسد الحزبي المترهل، يقدمها كعروس “تغري” الناظرين واستجلاب المدعوين الى الحفلات وموائد الخطب والشعارات وهم يعرفون أهمية المرأة جيدا في كسب أصوات أسرتها (هي وقود صناديق الاقتراع) ولكنهم لا يبالون كثيرا بما عاشته وتعيشه من حياة اليتم والترمل والبطالة والتحرش والعنف الأسري والمجتمعي وعدم اعطائها حقوقها الطبيعية والسياسية والاجتماعية والحد من “جموحها” ” نحو المناصب القيادية التي تستحقها.
ث- كل حزب يتقرب “لليلاه” و”ليلى” سالت لعاب أحلامهم الانتخابية بعد أن اعتبروها لعبة تستهوي أطماعهم يقدمونها في اللقاءات العامة والخاصة وفي الجموع التنظيمية المحلية والوطنية وفي الحوارات الإعلامية وفي الأنشطة والحملات الانتخابية وكأنها اكتشاف انتخابي ذو قوة مغناطيسية جالبة للأصوات الانتخابية.
لكن المرأة المغربية اليوم لم تعد ترضى أن تكون ورقة انتخابية لهذا القائد الحزبي أو ذاك بل هي ورقة لإسقاط المشاريع الانتخابية والوعود الكاذبة.. لقد رفعت صوتها وطالبت ببرامج واقعية لحل كل ما عانته وتعانيه وهي بقوة عددها ونفوذها الاجتماعي والثقافي قادرة أن تغير الكثير من الوضعيات وأن تزيل الصورة الفولكلورية التي حولتها الى كعكة انتخابية .. هي لا تريد أن تكون ديكورا متمما للبرلمان بل تريد أن تكون فاعلة ومؤثرة تقف وتؤشر وتساهم وتحاور لإحقاق الحقوق المشروعة في سبيل تحقيق المساواة والأنصاف..
المرأة المغربية لا تحتاج الى خطابات التثمين والتمكين في الموسم الانتخابي بل الى سياسات حقيقية مستدامة تضمن لها كل الحقوق والفرص المتكافئة.. تحتاج الى من يرفع صوتها تحت قبة البرلمان لا من يصادره، وتحتاج الى قوانين تحميها ولا تسحقها وأن استمرار نهج التحجيم والتهميش والاقصاء واستغلال النساء كأدوات انتخابية يضعف المشاركة الديموقراطية.
المرأة المغربية اليوم عليها أن تناضل من أجل تغيير هذا الواقع لا بالتصويت فحسب بل بالوعي والتنظيم والمحاسبة كي لا تبقى مجرد وقود لصناديق الاقتراع، بل محركا حقيقيا للتغيير..



