الرباط .. دورة تكوينية حول الرقابة القضائية على الصفقات العمومية والقرارات الإدارية
الرباط 22 يونيو 2026
انطلقت، اليوم الاثنين بالرباط، أشغال الدورة التكوينية الأولى المشتركة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ومحكمة النقض ووزارة التجهيز والماء حول موضوع “الرقابة القضائية على الصفقات العمومية والقرارات الإدارية”.
ويأتي تنظيم هذا اللقاء في إطار تعزيز التعاون المؤسساتي بين وزارة التجهيز والماء والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتنزيلا لاتفاقية التعاون والشراكة بين الوزارة ومحكمة النقض الموقعة في 16 مارس 2022، وتفعيلا لمخرجات الندوة الوطنية حول الصفقات العمومية.
وتروم هذه الدورة التكوينية دراسة الإشكالات القانونية والعملية التي تثيرها منازعات الصفقات العمومية وتدبير الشؤون الإدارية، وتعميق النقاش حول حدود السلطة التقديرية للإدارة ونطاق تدخل القضاء الإداري في مختلف مراحل إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية ومشروعية القرارات الإدارية.
وفي كلمة بالمناسبة، قال الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، إن هذا اللقاء يجسد إرادة مشتركة قوامها الانفتاح والحوار وتبادل التجارب، لا سيما أن مواجهة التحديات التي تطرحها التحولات المتسارعة التي يشهدها مجال التدبير العمومي تقتضي تعميق المعرفة القانونية والعملية، وتطوير آليات التعاون والتنسيق بين مختلف الفاعلين، مؤكدا أن الصفقات العمومية أضحت إحدى الآليات الاستراتيجية لتنزيل السياسات العمومية، وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأبرز أن القضاء الإداري لم يعد يضطلع بدور يقتصر على الفصل في المنازعات المعروضة عليه بعد نشوئها فقط، وإنما أصبح فاعلا مؤسساتيا يسهم في تأطير العمل الإداري وترشيده، وفي ترسيخ الحكامة القانونية للقرار العمومي، موضحا أن وظيفة القضاء الإداري تطورت ليصبح مطالبا بمواكبة التحولات التي يعرفها العمل العمومي، وليس فقط بحماية الحقوق والحريات وضمان احترام القانون، من خلال إيجاد الحلول القانونية الكفيلة بتحقيق التوازن بين متطلبات الفعالية الإدارية وضمانات المشروعية.
وبعدما أكد على إسهام الاجتهاد القضائي الإداري في توجيه الممارسة الإدارية وتوضيح الحدود القانونية لممارسة السلطة التقديرية، سجل أن القيمة الحقيقية للاجتهاد القضائي لا تقاس فقط بما يوفره من حلول للنزاعات القائمة، وإنما أيضا بقدرته على استباق النزاع والحد من أسبابه ومنع حدوثه.
وشدد السيد عبد النباوي على أن الرقابة القضائية على الصفقات العمومية لا ينبغي أن تفهم باعتبارها رقابة تعيق المبادرة أو تحد من فعالية العمل الإداري، وإنما باعتبارها ضمانة أساسية لترسيخ الثقة في المؤسسات وحماية المال العام وتحقيق التوازن بين الحقوق والالتزامات، معتبرا أن استقرار الاجتهاد القضائي وتوحيد تفسير النصوص القانونية في مجال الصفقات العمومية ركيزة أساسية لضمان وضوح الإطار القانوني الذي يشتغل داخله كل من الإدارة والمتعاملين معها.
من جانبه، أبرز وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أن الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة، بما تتطلبه من تعبئة مالية وعقارية وتقنية وإدارية مهمة، تفرض تحديات قانونية وقضائية متزايدة، سواء تعلق الأمر بالصفقات العمومية، أو نزع الملكية، أو تدبير الملك العمومي، أو المسؤولية الإدارية المرتبطة بالمنشآت العمومية.
وأوضح أن هذه المجالات تعرف تداخلا كبيرا بين متطلبات المشروعية القانونية من جهة، وإكراهات النجاعة والسرعة والفعالية في الإنجاز من جهة ثانية، وهو ما يفرز أحيانا إشكالات عملية معقدة تستدعي اجتهادا قانونيا وقضائيا متطورا ومتوازنا، يراعي حماية الحقوق والحريات، وفي الوقت نفسه يحافظ على استمرارية المرفق العمومي ومصلحة الدولة والمواطن.
وأكد أن تنفيذ الأحكام القضائية يظل المحك الحقيقي والمؤشر الأبرز على قوة دولة المؤسسات، ومدى ثقة المتقاضين في الإدارة العمومية، مبرزا أن الوزارة عبأت خلال الفترة الممتدة من سنة 2021 إلى سنة 2026 اعتمادات مالية مهمة لتنفيذ الأحكام القضائية بلغت في مجموعها حوالي مليار و385 مليون درهم خصصت 70 في المائة منها لتنفيذ الأحكام المتعلقة بنزع الملكية.
واعتبر أن هذه الدورة التكوينية تجسد وعيا مشتركا بين وزارة التجهيز والماء والمجلس الأعلى للسلطة القضائية بأن نجاح المشاريع العمومية لا يقاس فقط بحجم الإنجاز التقني أوالمالي، وإنما يقاس كذلك بمدى احترامها للضوابط القانونية والمؤسساتية، وقدرتها على الحد من المنازعات وتعزيز الثقة في الإدارة وفي العدالة.
وتميزت الجلسة الافتتاحية لهذه الدورة بتقديم السيد بركة، نسخة من كتاب “دليل الاجتهاد القضائي الخاص بوزارة التجهيز والماء” إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الرئيس الأول لمحكمة النقض، محمد عبد النباوي، والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، هشام بلاوي.
ويهدف هذا الدليل إلى تجميع وتصنيف أبرز الاجتهادات القضائية المرتبطة بمجالات تدخل الوزارة ومؤسساتها العمومية، بما يساهم في استشراف التوجهات القضائية وتوحيد الرؤية القانونية وتعزيز جودة القرار الإداري.
وينظم هذا اللقاء ضمن سلسلة من الدورات التكوينية المتخصصة الرامية إلى تعميق النقاش العلمي والعملي حول أبرز الإشكاليات القانونية والقضائية المرتبطة بمجالات تدخل وزارة التجهيز والماء، وذلك في إطار برنامج تكويني يتماشى مع الدينامية الإصلاحية التي يشهدها مجال تدبير المرافق العمومية والصفقات العمومية وما يواكبها من تطور متسارع للاجتهاد القضائي الإداري.
وتستهدف هذه الدورة التكوينية المسؤولين القضائيين لجميع محاكم الاستئناف الإدارية والمحاكم الابتدائية الإدارية التابعة لها، ومستشاري محكمة النقض، ومستشاري محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط وقضاة المحكمة الابتدائية بالرباط، ومستشارو وقضاة باقي الدوائر الاستئنافية الإدارية والمحاكم الابتدائية الإدارية التابعة لها، وكذا مدراء المؤسسات العمومية التابعة لوزارة التجهيز والماء والمدراء العامون والمدراء المركزيين ومدراء وكالات الأحواض المائية والمدراء الجهويين.
ويشمل برنامج الدورة مجموعة من الجلسات تهم مواضيع منها “الرقابة القضائية على الصفقات العمومية”، و”تدبير الوقاية من منازعات الصفقات العمومية، وتجاوز الإشكالات المرتبطة بتنفيذها”، و”الرقابة القضائية على القرارات الإدارية”، و”صياغة وإصدار القرار الإداري وحدود رقابة القضاء الإداري”.




