هرد أمسو، ذاكرة المسرح السوسي التي لا تنطفئ
الدشيرة: إبراهيم فاضل.
تحلّ اليوم، 5 ماي، الذكرى الثامنة والأربعون لرحيل الفنان عبد الله رفيق أولمداني، الملقب فنياً بـ”هرد أمسو”، كموعد متجدد لاستحضار مسار أحد أبرز أعلام الفن الأمازيغي بسوس الكبير، ممن بصموا تاريخ المسرح والفكاهة خلال مرحلة حاسمة من تشكل الوعي الثقافي بالمنطقة، وأسهموا في ترسيخ هوية فنية محلية ذات امتداد وطني.
وُلد الراحل بمدينة الدشيرة الجهادية سنة 1932، في سياق تاريخي تميز بتحولات اجتماعية وثقافية عميقة، كان لها أثر بالغ في تشكيل وعيه الفني والإنساني. ومنذ سنواته الأولى، أبدى اهتماماً لافتاً بالفن والعمل الجمعوي والأنشطة الرياضية، ما جعله شخصية متعددة الأبعاد، جمعت بين الإبداع والانخراط المجتمعي، وبين الحس الفني والوعي بقضايا الناس.
بدأ المرحوم عبد الله أولمداني مساره الفني في سن مبكرة، حيث التحق خلال خمسينيات القرن الماضي بسيرك “عمار” الدولي، وهي تجربة شكلت مدرسة أولى له في فنون الأداء والاحتكاك المباشر بالجمهور، وأسهمت في صقل موهبته وتطوير أدواته التعبيرية. وبعد هذه المرحلة، اتجه نحو المسرح، المجال الذي سيمنحه شهرته الواسعة ويخلّد اسمه ضمن رواده الأوائل بالمنطقة.
وفي أكادير، برز اسمه كأحد الوجوه المؤسسة للحركة الفنية الجهوية، حيث ساهم في تأسيس المسرح الجهوي، واضعاً اللبنات الأولى لتنظيم العمل المسرحي بسوس، في وقت كانت فيه البدايات تتسم بالعفوية وقلة الإمكانيات. وكان من بين أبرز محطات مسيرته مشاركته في تأسيس “جوق النهضة السوسية”، إلى جانب نخبة من الفنانين الذين شكلوا أعمدة الفن السوسي، من بينهم جامع بلادي، بوشنى، عبد الهادي إكوت، محمد بوسالم، الحسين ساركو، عزيز الشامخ، وعبد الله الباشيري، إضافة إلى أسماء أخرى ساهمت في إغناء هذا المشروع الفني الجماعي الطموح، الذي هدف إلى تطوير الأغنية الأمازيغية والارتقاء بها شكلاً ومضموناً.
تميّز “هرد أمسو” بأسلوب فني فريد، يمزج بين الفكاهة الراقية والنقد الاجتماعي الهادف، حيث استطاع أن يعكس قضايا المجتمع وهموم المواطن البسيط من خلال عروض مسرحية قريبة من نبض الشارع، بلغة سلسة وعفوية تصل إلى مختلف فئات الجمهور. ولم يكن حضوره فوق الخشبة مجرد أداء تمثيلي، بل كان تعبيراً صادقاً عن واقع اجتماعي متغير، ما جعله يحظى بمكانة خاصة في قلوب الجمهور داخل سوس وخارجها.
وعلى امتداد مسيرته، عاشر الراحل نخبة من كبار الفنانين على الصعيدين الوطني والدولي، واستفاد من هذا الاحتكاك في توسيع رؤيته الفنية والانفتاح على تجارب مختلفة، ما انعكس بشكل واضح على أعماله التي حملت بعداً إنسانياً وثقافياً غنياً. كما ساهمت هذه العلاقات الفنية في تعزيز إشعاع الفن السوسي وربطه بمحيطه الأوسع.
وإلى جانب نشاطه الفني، كان للراحل حضور وازن في الساحة الثقافية بالدشيرة الجهادية، حيث ساهم في دعم المبادرات الفنية المحلية، وشارك في تأسيس مجموعات غنائية، من أبرزها جوق “تابغينوست”، في إطار سعيه الدائم إلى تنويع التعبير الفني وخدمة الثقافة الأمازيغية. كما عُرف بحبه الكبير للرياضة وارتباطه الوثيق بنادي أولمبيك الدشيرة، حيث ظل من المتتبعين والداعمين لمسيرته.
توفي عبد الله أولمداني يوم الجمعة 5 ماي 1978، مخلفاً وراءه إرثاً فنياً وثقافياً غنياً لا يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية، وملهماً للأجيال اللاحقة من الفنانين والمهتمين بالفن والثقافة الأمازيغية. وبرحيله، فقدت الساحة الفنية أحد روادها الكبار، غير أن بصمته الإبداعية استمرت حية من خلال أعماله وما تركه من أثر عميق في مسار الفن بسوس.
وتخليداً لذكراه، أطلقت جماعة الدشيرة الجهادية اسمه على أحد الملاعب الرياضية بالمدينة، الذي يحمل اليوم اسم “الملعب الجماعي عبد الله أولمداني”، في خطوة رمزية تعكس روح الوفاء والعرفان لما قدمه من خدمات جليلة للفن والمجتمع.
إن استحضار مسار “هرد أمسو” اليوم لا يقتصر على مجرد التوقف عند محطة تاريخية، بل يشكل دعوة صريحة لإعادة الاعتبار للذاكرة الفنية المحلية، والعمل على توثيقها وصونها، حتى تظل منارة مضيئة تهتدي بها الأجيال القادمة في مساراتها الإبداعية، وتستمد منها روح الاستمرارية والتجدد.



