عودة فيروس “كورونا” تحيي التفكير “المؤامراتي” و”القناعات الشعبية اليقينية”

بعد دعوة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في دورية موجّهة إلى المديرين الجهويين للصحة، أول أمس الجمعة، إلى ضرورة الحفاظ على تفعيل تدابير اليقظة والمراقبة للتصدي لفيروس كورونا، الذي بلغ عدد الإصابات به في المغرب خلال الأسبوع الأخير 27 إصابة، عاد مغاربة مجدداً إلى إعلان “العصيان الافتراضي”، الذي يتغذى من “فكرة المؤامرة”؛ بحيث اعتبروا أنّ “كورونا جزء من الماضي، وصارت ورقة محروقة لا تستطيع تسويغ الرغبة في إعادة الهيمنة”.

وفيما تناسلت مجددا هذه “القناعات الشعبية اليقينية” التي تسخر وتستهزئ بموجة كوفيد19 الجديدة، عدّ خبراء ذلك بمثابة “تصريف للخوف الدفين في أعماق المغاربة من الفيروس الذي جعلهم يعيشون أقسى سنة متخيّلة في القرن 21”. كما أنّ الأخصائيين في الطّب، بشكليه النفسي والعام، رفعوا مخاوفهم من كون “التفكير ‘المؤامراتي’ يمكن أن يدفع بالمغاربة إلى الاستهتار والكفر بالتلقيح، وبالتالي عدم أخذ دورية وزارة الصحّة على محمل الجدّ”.

محمد أعريوة، الأخصائي في الطب العام والباحث في النّظم الصّحية، فسّر هذه الموجة من التهكّم بأنّ “الخوف على الصّحة من كوفيد بدأ ينهار، وبالتالي النتيجة تكون هي السّخرية منه واعتباره جزءاً من ماض مخيف ولا يستدعي أيّ التفاتة اليوم”، مضيفا أنّ “المغاربة ينظرون إلى أنّ خطورة الفيروس على الجهاز المناعي ودرجة إماتته لم تعد بالقوة نفسها التي كان عليها حين ظهر أول مرة في بداية سنة 2020، فحينها كان وباء غامضا يبدو للمغاربة أنه منعدم الحلّ”.

وأورد أعريوة ضمن تصريحه لجريدة هسبريس: “حتى الأعراض في البداية كانت جدية ينعدم فيها الذوق والشم ويعاني المريض من صعوبات في التنفس؛ وحين بدأت تقلّ مع بداية حملات التلقيح بدأ التهاون يلوح من جديد، رغم أنّ إشعارات وزارة الصحة ليست ترفاً وتستدعي التعامل معها بجدية”، مشددا على أنّ “هذا الفيروس مثل أي فيروس في التاريخ هو متحوّر، وقابل لظهور أيّ شكل جديد، وبالتالي موجة السخرية هذه ليست ضرورية الآن”.

وأكد المتحدث ذاته أنّ “الاحتياطات واجبة والعودة إلى التلقيح ضرورية، فنحن لم نخرج من دائرة كورونا نهائيا، باعتبار أن هذا العصر سيكون غاصا بالكثير من الأوبئة، ويجب أن نراعي جميعا الضوابط الصحية، خصوصا أننا في فصل الصيف، حيث يكثر الاختلاط، بالتظاهرات الفنية والأعراس والزيارات العائلية”، لافتا إلى أنّ “التلفاز في بعض الدول الغربية يوضح أنّ المواطنين عادوا إلى الكمامة الطبية”، وزاد: “هذه المتحورات هي أقل خطورة من السابق، لكن يجب أن نراعي الظرفية العالمية للمشكل، وأن نواجهه جميعاً”.

ومن جانبه، قدّم الأخصائي في علم النفس الاجتماعي محسن بنزاكور قراءته للموضوع قائلاً: “المغربي عندما خرج من كورونا استعاد حياته العادية، وظل دائما مسكونا بالخوف من العودة إلى الحالة الأولى للوباء، حيث عمّ الخوف المطلق والإغلاق التام والعزل المنزلي شبه الشامل”، ذاكرا أنّ “كلّ هذه الذاكرة تشكلت ضمن تيمة الخوف، واستعادةُ الحياة كانت تعني نوعا من الانتصار، لكنه لم يحطّم براثن ذلك الخوف بشكل نهائي، بمعنى أن المغربي حين يسخر من كورونا فهو يهدّئ من روع الخطر، بلغتنا المغربية ‘كايبرد على راسو'”.

وشدد بنزاكور، وهو يتحدث إلى جريدة هسبريس، على أن “المغربي حين يكون في حالة رعب أو خوف فهو كأي إنسان سيخلق آليات دفاعية، تكون في الغالب إما عنفاً نسقيا، أو استهزاءً بما يحدث”، وزاد: “إنه واقع يحاكي نوعا من الاستهتار الذي لا يعكس القدرة على تحمل المسؤولية؛ والمشكل أنّه راجع إلى فكرة أكثر خطورة هي الإيمان حدّ اليقين بالمؤامرة، وبالتالي انتعش فكر المؤامرة بعد إعلان نهاية حالة الطوارئ الصحية، كأن النهاية كانت دليلاً على صحته”.

وذكر المتحدث ذاته أنّ “هناك إشاعات وأكاذيب كثيرة انتعشت وتمّ نسبها لبعض الشخصيات المؤثرة في العالم، وجرفت بالعديد من سكان المغرب والمنطقة، فبدؤوا يعتقدون بها؛ وهذه الإشاعات أعطت، للأسف، نوعاً من ‘المصداقية’ للفكرة المؤامراتية، ما ولد تحريضا على عدم التّلقيح بالمغرب رغم خطورته”، وزاد موضحا: “هناك الآن توصية من وزارة الصّحة بضرورة استمرار عملية التلقيح، وسنشاهد أنّ درجة الاستجابة ستكون ضعيفة؛ لكن عندما ستصبح المسألة قانونية، وضرورة، فسيمتثل هؤلاء الذين يتهكمون الآن رغما عنهم بقوة القانون”.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *