رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ18)
“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
عندما أُغلق باب البيت خلفها، أحسّ يونس أن شيئًا من صدى الطائرة التي ستقلّها وصل إلى قلبه قبل أن يصل إلى مطار المدينة.
في تلك اللحظة، لم يكن يعرف أن هذا القرار، الذي غلب فيه صوت محمد في النهاية، لن يكون نهايةً لوحدته ولا بدايةً مباشرةً لخلاصه، بل سيكون فصلًا آخر من اختبارٍ طويل: إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يثق بوعدٍ يأتيه من وراء البحر، وإلى أي حدّ يمكن لقلوبٍ انفصلت جسديًّا أن تظلّ متصلة بخيطٍ من كلامٍ وصلواتٍ وأوراقٍ تحمل أسماءهم الثلاثة في خانةٍ واحدة.
حين أغلقت زينب باب البيت خلفها في ذلك الصباح، شعرت أن المقبض البارد في يدها ليس معدنًا فقط، بل عصبًا يمتد من كفّها إلى قلبها. لم تنظر خلفها مباشرة؛ كانت تعرف أن أول التفاتة قد تكسر ما تبقى لها من تماسك. حملت حقيبة متوسطة، خفيفة على الكتف، ثقيلة على الروح، ومشت في الممرّ الضيق نحو الدرج، تسمع وقع خطواتها تمتزج بوقع أنفاسها المتقطعة. في كل درجة تنزلها، كانت تهمس لنفسها: “خطوة إلى الأمام… لا إلى الوراء.” لم يكن أحد يراها وهي تضع يدًا خفية على صدرها، كأنها تتحقق في كل لحظة من أن القلب ما زال في مكانه، رغم أنها تركت نصفه فوق سرير يونس.
يونس، في الداخل، بقي واقفًا للحظات عند الباب المغلق. لم يصرخ، لم يركض وراءها، لم يضرب الخشب بقبضته كما قد يتخيّل المرء. كان قد تعلّم، مبكرًا، أن الضجيج لا يوقف ذهاب الكبار، وأن الصمت أحيانًا يحفظ ما تبقى من كرامة طفلٍ يُدفع إلى خانة “انتظر”. سحب نفسًا عميقًا، ثم عاد إلى غرفته ببطء، كمن يمشي في بيت تغيّرت معالمه فجأة دون أن تتحرك قطعة أثاث واحدة.
جلس على حافة السرير، ينظر إلى حقيبته الصغيرة الموضوعة في الزاوية، تلك التي أعدّتها له زينب تحسّبًا لأي طارئ وهو عند فاطمة: ثوبان، بعض الكتب، وفرشاة أسنان. فكّر، للحظة، أنه كان يأمل أن تكون هذه الحقيبة تذكرة سفرٍ معه، لا دليلًا على بقائه. مدّ يده ولمسها، ثم سحبها بعيدًا، كأنه يخاطب نفسه: “لن أفتحها إلا حين أضطر.”
في الطابق الأعلى، كانت فاطمة تراقب من شقّ ستارتها خروج زينب من العمارة. رأت ظهرها الصامد وحقيبتها المتأرجحة، ورأت في ذلك الظهر ظلّ كل امرأة ودّعت بيتًا وهي لا تعرف إن كانت ستعود إليه كما خرجت. تنهدت، ثم التفتت إلى الغرفة التي أعدّتها ليونس: فراش جديد، وسادة نظيفة، غطاء مطويّ عند الرأس. لم يكن الفراش فخمًا، لكن فاطمة حرصت أن يكون متينًا ودافئًا. قالت في سرّها: “سيفتقد رائحة وسادته الأولى، لكن لا أقلّ من أن يجد هنا رائحة بيت، لا ملجأ.”
نادت ابنها يوسف الذي في عمر يونس تقريبًا، أشارت إلى الفراش:
ـ هنا سينام يونس الليلة.
هز يوسف رأسه، لم يعلّق. يعرف القصة على طريقته، يسمعها من نصف جملة بين أمّه وزينب، ومن نصف نظرة في عين يونس. بالنسبة له، الأمر أشبه بوصول لاعب جديد إلى فريقٍ قديم؛ سعيد بفكرة الرفقة، خائف من حزن رفيقه.
في المطار، كان محمد يراقب شاشة الرحلات بعينٍ لا تستقر على سطر واحد. وصل قبل الموعد بوقتٍ أطول مما يلزم، كأنه يحاول أن يسبق الزمن بخطوة، كأنّ وصوله مبكرًا قد يخفف عن قلب زينب بعض الارتباك. جلس على كرسيّ بلاستيكي في صالة الانتظار، حقيبته الصغيرة بين قدميه، ويده تخرج هاتفه كل بضع دقائق لتتأكد من أن التذكرة ما زالت في بريد إلكتروني آمن، وأن رسالة “موعد الإقلاع” لم تتغير.
كان يدرك أن هذه الرحلة ليست كسابقاتها. كل الرحلات الماضية كانت تقطع بينه وبين أهله مسافةً زمنية يمكن تلخيصها في جملة “سأعود في الصيف”. هذه المرة، يحمل معه في طائرة العودة وعدًا مختلفًا: “سأنتظر هنا حتى تلحقوا بي.” وبين الوعدين فراغٌ من أشهر أو سنوات، لا يعرف أبعاده تمامًا.
عند باب الشقة، حين نزلت زينب، كان يونس قد ارتدى حذاءه، لا ليخرج معها إلى المطار، بل لينزل حقيبتها إلى أسفل الدرج. أصرّت هي أن تحملها، أصرّ هو أن يساعد. اتفقا على حلّ وسط: يحملانها معًا. كانت تلك الحركة المشتركة تلخيصًا لعلاقتهما كلها: حملٌ واحد، على كتفين غير متساويين.
في بهو العمارة، التقت عيناهما للمرة الأخيرة في ذلك اليوم تحت سقفٍ واحد. مدّت يدها إلى وجهه، مسحت بإبهامها على خدّه، كأنها تحفظ ملمسه في ذاكرتها.
ـ تذكر ما اتفقنا عليه؟
ـ أن أساعد فاطمة… ألا أتغيب عن المدرسة… ألا أصدّق كل ما يقوله الناس.
ابتسمت وسط دموعها التي بدأت تتمرّد:
ـ والأهم… أن تلتقط الهاتف كلما رنّ باسمي.
هزّ رأسه، كان يشعر أن الحنجرة لو نطقت الآن ستتكسّر الكلمة في منتصفها.
انتظرت زينب سيارة الأجرة في الشارع، وبينها وبين باب العمارة مسافة مترين فقط، لكنها بدت كأنها عشرات الكيلومترات. أرادت في لحظة أن تعود للأعلى، أن تقول لمحمد “لن أستطيع”، لكنها تذكرت كل الليالي التي أحصت فيها الأيام حتى رحلة اليوم، وكل الوعود التي بنتها معه على هذا القرار.
حين توقفت السيارة، فتحت لها الباب، وضعت الحقيبة في الخلف، جلست في المقعد، وأغمضت عينيها للحظة قصيرة قبل أن تقول للسائق: “إلى المطار.”
في اللحظة نفسها تقريبًا، كانت فاطمة تقف عند باب شقتها، تستقبل يونس بحضنٍ لم يُغلق عليه الباب بعد. قالت له وهي تُدخله:
ـ البيت بيتك، لا تقلق.
لم يجد جوابًا. تركَ لعينيه أن تجول في المكان: جدار عليه ساعة قديمة، بساط بسيط، رائحة طعامٍ منزليّ تحمل بصمة بيتٍ يعرفه من زياراتٍ قصيرة. لم يشعر بغرابة المكان، لكنّه شعر بغرابة كونه هنا وحده، دون ظلال زينب حوله.
اقترب يوسف، حاول أن يكسر الجدار الأوّل:
ـ عندنا قناة رياضية لا تُقفَل… هذا أفضل ما في بيتنا.
ابتسم يونس ابتسامة خفيفة، لم تكن عن كرة القدم بقدر ما كانت عن فكرة أن هناك من يحاول أن يقدّم له “شيئًا جيدًا” وسط ما يحدث.
في طريقها إلى المطار، كانت زينب تراقب المدينة من نافذة السيارة كما لو تراها للمرة الأولى: الشوارع التي حفظت أسماءها، الأشجار التي ربطت بها مواسم السنة، المحلات التي اشترت منها خبزها وشايها. كلّ زاوية بدت لها الآن كأنها تسألها: “هل تعودين ذات يوم من هذا الطريق؟”
حين اقتربت من لوحات “المغادرة ” عند مدخل المطار، أحست أن الكلمة لا تعني فقط مغادرة جغرافية، بل مغادرة طبقة كاملة من حياتها: تلك التي كانت فيها فقط “امرأة تكافح مع طفل في حيّ بسيط”. الآن، ستكون أيضًا “زوجة رجلٍ في فرنسا”، “مهاجرة”، “امرأة تحمل إذن إقامة في بلاد أخرى”. كل هذه التسميات لم تكن تهمّها بقدر ما يهمّها لقب واحد تركته خلفها للحظات: “أمّ يونس”.
محمد، الذي كان قد تقدّم قليلاً نحو بوابة الوصول الداخلي ليطمئن على خلوّ الإجراءات، ظل عالقًا بين صالتيْن: صالة المغادرين حيث ستدخل بعد قليل، وصالة القادمين التي يعرفها جيدًا من مرات عودته السابقة. كان ذلك أشبه بوضعه العام: رجل بين عالمين، لا هو منقطع تماما عن الأول، ولا مستقر بالكامل في الثاني.
تلقى رسالة قصيرة منها: “وصلت إلى المطار.” ردّ: “أنا قريب من الباب 3. سأنتظرك قبل الدخول إلى التسجيل.”
في تلك اللحظات، فكر للحظة بيونس عند فاطمة، وتساءل: “هل يراني الآن إنسانًا يهرب، أم رجلًا يقود مركبًا لا يسعه الجميع دفعة واحدة؟”
في بيت فاطمة، كان الصباح يمضي بطيئًا على نحو غريب. حاولت أن تملأ فراغ الأسئلة لدى يونس بالروتين:
ـ سنفطر سويًا، ثم تذهب أنت ويوسف إلى المدرسة.
هزّ رأسه، جلس على المائدة الصغيرة. وضعت أمامه كوب حليب وقطعة خبز بالزيت، كما اعتاد في بيت زينب. حرصت أن تُبقي الطقوس قريبة حتى لا يشعر بأن كل شيء قد تغيّر فجأة.
قالت وهي تحاول أن تجعل الصوت عاديًّا:
ـ أمّك الآن في طريقها إلى الطائرة. حين تصل إلى فرنسا، أول ما ستفعله أن تتصل بنا.
سألها:
ـ هل سافرتِ أنتِ يومًا؟
ـ لا… البحر والسماء بعيدان عني.
ـ إذن… أنتِ لا تعرفين الشعور.
توقفت لحظة، ثم قالت:
ـ أعرف شعور من ينتظر. وهذا أحيانًا أصعب من أن تكون أنتَ في الطائرة.
حين دخلت زينب إلى المطار، فوجئت بزحامٍ لا يشبه سكون حيّها. أناس من كل الأعمار والملابس واللهجات. حملت جواز سفرها، تذكرتها، تقدّمت نحو ممرّ التسجيل كما أرشدها محمد في مكالمة سابقة. لكنها، قبل أن تنضم إلى الصف الطويل، التفتت حولها وكأنها تنتظر أن تخرج يد صغيرة من بين الجموع تمسك بطرف ثوبها. لم يخرج أحد.
رأت محمد يلوّح لها من بعيد، تقدّمت نحوه، وفي التقائهما اختلطت فرحة اللقاء بثقل القرار. لم يحتضنها طويلاً؛ كان هناك حيّز عام واحترام لحدود المكان، لكنّ العيون قالت ما لم تقله الأذرع.
ـ وصلتِ بخير.
ـ نعم.
ـ ويونس؟
ـ عند فاطمة… يحاول أن يكون أقوى مما هو عليه.
جلسا على مقعد جانبي لبضع دقائق قبل أن يحين وقت التسجيل. تحدثا عن تفاصيل الرحلة، عن مدة الطيران، عن الإجراءات عند الوصول. لكنه، في عمق الكلام، كان هناك سؤال واحد يدور دون أن يُنطق: “هل نرتكب خطأً ونحن نحاول أن نصلحه بمستقبلٍ أحسن؟”
قال محمد في لحظة صدق:
ـ لو كان العالم عادلاً، ما كنّا الآن مضطرّين أن نتركه.
ـ ولو كان العالم عادلاً، لما خرج من قريته بهذه الطريقة أصلاً.
في تلك الأثناء، كان يونس ويوسف يسيران في طريقهما إلى المدرسة. الهواء في الشارع هو نفسه، ضحكات الأطفال مشابهة، لكن الخطوة في قدم يونس اختلفت قليلاً؛ كان يشعر أنه يمشي بحذرٍ أكثر، كأن الأرض قد تسحب من تحته فجأة كما سُحبت أشياء كثيرة من قبل.
قال يوسف محاولاً التخفيف:
ـ حين تعود من المدرسة، سنلعب مباراة كرة. سأُريك كيف تُهزم فرنسا أمام فريق الحيّ.
ابتسم يونس، ولم يعلّق على كلمة “فرنسا”. بالنسبة إليه، كانت الآن اسمًا مزدوجًا: بلدًا يذهب إليه محمد وزينب، وسببًا لفراغ كرسيّين في البيت الذي اعتاد أن يراهما فيه.
في صالة المغادرة، بعد أن سلّمت حقيبتها عند مكتب التسجيل، كان على زينب أن تواجه لحظة التفتيش الأخيرة: تلك التي تفصل بينها وبين منطقة “الركاب فقط”. قبل البوابة، توقفت، التفتت إلى محمد، شعرت أن قدميها تعيدان وزنهما من جديد.
ـ هل ما زال فيكِ شيء من التردد؟
سألها بهدوء، وهو يعرف أن السؤال متأخرٌ قليلًا، لكنه ضروري.
ـ التردد لا ينتهي… لكنه لن يغيّر الآن ما وصلنا إليه.
ـ يمكن دائمًا أن نؤجل…
نظرت إليه، في عينيها مزيج من العتب والامتنان:
ـ أنت من علّمني أن الفرص لا تنتظر طويلاً. لا تُغلقها الآن بيدك.
قبل أن تسلّم جوازها عند بوابة العبور، أخرجت هاتفها، أرسلت رسالة قصيرة إلى فاطمة: “أنا الآن أدخل إلى الطائرة. قبّلي جبينه عني.”
في بيت فاطمة، كان الهاتف على الطاولة. قرأت الرسالة، لم تقل شيئًا ليونس الذي كان قد بدأ حصته الأولى في المدرسة. وضعت يدها فوق الجهاز كما لو تباركه، ثم همست لنفسها: “اللهم اجمعهم على خير.”
جلست زينب في الطائرة قرب النافذة. لم تكن قد ركبت طائرة من قبل. حين بدأت تتحرك ببطء على المدرج، أحست أن قلبها يسبقها إلى الأمام، بينما شيء في داخلها يتشبّث بالأرض. رأت من النافذة مباني المطار، سيارات صغيرة تتحرك على البساط الإسفلتي، وبعيدًا جدًا، خطّ الأفق حيث لا ترى بيوت الحيّ ولا نافذة فاطمة ولا الطريق إلى المدرسة.
حين ارتفعت الطائرة، وانتزعت من الأرض تدريجيًا، مرّت في ذهنها حياة كاملة: ظلّ الجبل في الصباح البعيد الذي خرج فيه أمناي، باب المستوصف، وجه يونس وهو يفتح عينيه في شقتها لأول مرة، محمد وهو يلوّح بيده عند باب العمارة، وفاطمة وهي تقول: “هذا قلب، لا غرض.”
في تلك اللحظة ذاتها، في فصل المدرسة، كان المعلّم يكتب تاريخ اليوم على السبورة. نظر يونس إلى الأرقام، وفكر في أنه سيحفظ هذا التاريخ بطريقة مختلفة عن زملائه: هم سيذكرونه على أنه يوم درسوا فيه قاعدة نحوية، وهو سيذكره على أنه اليوم الذي أقلعت فيه طائرة تحمل نصف قلبه إلى بلدٍ آخر، على وعدٍ بأن يعود النصفان يومًا ما ليجتمعا، فوق أرضٍ جديدة أو قديمة، لا يهمّ، ما دام الباب هذه المرة مفتوحًا على ضوء، لا على ظلالٍ تبتلع الأطفال في ممرّاتٍ خلفية.
يتبع…



