حملة وطنية تحسيسية أم مهرجان علاقات عامة؟
بقلم – المصطفى اسعد
بينما تتباهى وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة بما تسميه “نجاحاً كبيراً” للحملة الوطنية الأولى حول تعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة، يحق للمواطن أن يتساءل: أين هي النتائج الفعلية؟ وأين هي المؤشرات الملموسة التي تثبت أن أوضاع النساء في المغرب قد تحسنت فعلاً بفضل هذه الحملة؟
البلاغ الرسمي للوزارة يغرق في لغة احتفالية مكررة تتحدث عن “التعبئة الواسعة” و”النجاح الكبير” و”الفضاء الوطني للنقاش”، لكنه يتجنب الإجابة عن الأسئلة الجوهرية .. فهل تنظيم 173 نشاطا وعشرات اللقاءات والندوات يعني تلقائيا تحقيق الأهداف؟ وهل قياس النجاح يتم بعدد المشاركين والصور التذكارية والخرجات الإعلامية أم بمدى ارتفاع تمثيلية النساء في مواقع القرار السياسي والإداري والاقتصادي؟
المثير للانتباه أن الوزارة تحتفل بحملة تحسيسية في وقت ما تزال فيه نسب مشاركة النساء في مراكز صنع القرار دون الطموحات المعلنة، وما تزال النساء يواجهن عراقيل اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية تحد من حضورهن في الحياة العامة .. فبدل الاكتفاء بالشعارات الرنانة من قبيل “يدك فيديا… نشاركو فالتنمية”، كان الأجدر تقديم حصيلة دقيقة حول عدد النساء اللواتي استفدن من برامج التمكين، وعدد المبادرات التي تحولت إلى مشاريع واقعية، والتدابير التي اتخذت لإزالة الحواجز التي تواجه النساء على الأرض.
الأكثر إثارة للاستغراب هو هذا الميل المزمن لدى المؤسسات العمومية إلى تحويل القضايا المجتمعية العميقة إلى مناسبات احتفالية .. معرض للكاريكاتير، معرض للصور، عروض مسرحية، وصلات إشهارية، وتغطيات إعلامية مكثفة… لكن ماذا بعد؟ هل يمكن للكاريكاتير أن يعوض غياب السياسات الناجعة؟ وهل تستطيع الوصلات التحسيسية أن تعالج الاختلالات البنيوية التي تعيق مشاركة النساء في الشأن العام؟
ثم إن الحديث عن “الاعتراف بتميز شخصيات” يطرح بدوره علامات استفهام ؟؟ .. فهل أصبحت حملات التحسيس مناسبة لتوزيع شهادات التقدير ، أكثر من كونها فرصة لتقييم السياسات العمومية ومساءلة المسؤولين عن محدودية نتائجها؟ إن ثقافة الاحتفال بالإنجازات المعلنة قبل التحقق من آثارها الفعلية أصبحت سمة متكررة في الخطاب المؤسساتي المغربي.
إن الدفاع الحقيقي عن مشاركة النساء في الحياة العامة لا يحتاج إلى مهرجانات خطابية بقدر ما يحتاج إلى قرارات جريئة وإصلاحات عميقة وآليات للمحاسبة والقياس ، فالمرأة المغربية لا تنتظر المزيد من الشعارات، بل تنتظر فرصا حقيقية للمشاركة والتأثير والقيادة ، أما الاكتفاء بإعلان “نجاح كبير” اعتمادا على عدد الأنشطة المنظمة وعدد الحاضرين، فهو أقرب إلى تسويق صورة وردية منه إلى تقديم حصيلة موضوعية قابلة للتقييم.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقا : هل كانت هذه الحملة خطوة حقيقية نحو تعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة، أم مجرد عملية تواصلية أخرى أُنفقت فيها الموارد والجهود لإنتاج بلاغات انتصارية لا تعكس بالضرورة واقع النساء المغربيات؟



