المتغيرات الثقافية والأخلاقية وتحديات الهوية الوطنية
بقلم – ذ. محمد بادرة
سؤال الهوية ليس سؤالا مناسباتيا وليس سؤالا مستنفدا أو قابلا للاستنفاد على صعيد التناول الإشكالي والمعرفي بل هو سؤال مركزي مستدام يحضر باستمرار ويبقى في كل الحالات انشغالا انسانيا بامتياز، يبرز في كل المستويات والسياقات الحضارية والوجودية ويتشكل من مرتكزات عديدة ثقافية ولغوية ودينية وقومية وهو بؤرة الانشغال الإنساني.
حينما تثار اشكالية الهوية في أي مجتمع انساني فهي تغدو أمّ القضايا التي يتوقف الباحثون حيالها كثيرا فهوية المجتمع وارتباط أفراده بها هي (من تمنحهم كينونتهم وأسس وجودهم وشعورهم بالانتماء الى أصل أو أصول مشتركة فتغذي مسؤوليتهم الجماعية بضرورة استمرار مقومات الهوية واستدامة عناصرها). ولذا هناك تعالق قوي بين الهوية والعناصر التكوينية الأساسية الثقافية واللغوية والدينية لذلك فالتأكيد على أهمية هذه المكونات في صياغة ملامح الهوية والانتماء والوعي بها ليس من قبيل المزايدة بل هي معطيات وعوامل مؤكدة ومحسومة تمكن (الجماعة أو الأمة من أن تجدد دوريا المشاعر الخاصة بها وبوحدته) كما يقول اميل دوركهايم. كما أن تأثيرات العولمة أوجدت تفاعلات اجتماعية وثقافية ضاغطة جعلت اهتمام الأفراد فيها ينتقل من ثقافتهم المحلية الى الثقافة العالمية وأحدثت في خضم ذلك اختراق عمودي مركز على خلخلة الهوية الوطنية واحداث تصدع جوهري في لغة وثقافة وقيم وتقاليد مجتمعنا الأصيل مع خلق بنية تحتية ذهنية مستلبة لذى شرائح واسعة من أبناء المجتمع نخبا وعامة نتج عنه هذا الاصطدام غير المتكافئ واختلال عميق في المنظومة القيمية المحلية والوطنية كنتيجة للهيمنة الثقافية والإعلامية وتولد نسق اجتماعي جديد وتحولات جرت معها تغييرات على مستوى القيم والعادات.
مثلا على المستوى اللغوي يلاحظ اهدار واحتقار للغة الوطنية واللغات المحلية (لغة الأم) حين أصبح استخدام المفردات الأجنبية في التداول الاجتماعي والتواصل الإعلامي عند فئات من الشرائح الاجتماعية والمهنية دالا على المكانة الاجتماعية وعلى التمايز الطبقي ومفتاحا للدخول في رحاب الحداثة والعصرنة وفي المقابل يعتبر الحديث باللغة الوطنية أو لغة الأم مؤشرا على الانحدار الاجتماعي وبساطة التفكير ووضاعة المركز المهني وهو ما يخلق التباعد بين النخب وعامة الناس ويفاقم من المخاطر التي تهدد الهوية الوطنية وتخلق ما يسمى ب(الهوية المشتتة).
يشهد المجتمع المغربي اليوم متغيرات متسارعة مست العمق المغربي والهوية الوطنية في جوهرها وألقت بتأثيرها المباشر على منظومة الأخلاق والقيم والمبادئ بل تجاوزت ذلك لتصطدم بالقيم الدينية كما أثرت على الأعراف المجتمعية الراسخة وجاءت هذه التحولات لتهدد استقرار واستمرار تماسك الكيان المجتمعي عبر عقود طويلة من التراكم القيمي والوجداني ولعل الأخطر من ذلك أن أثر هذه المتغيرات بات يمس الشخصية المغربية ذاتها المعروفة تاريخيا بالاعتدال والوسطية والتسامح والانفتاح على الغير دون الاخلال بالقيم الدينية والوطنية كعاملين حاسمين في تكريس وتعميق درجة الانتماء الى الوطن والجماعة وما وصل اليه حال مجتمعنا اليوم من تصدعات وتمزقات وشروخ ليست وليدة اللحظة بل نتاج لعوامل داخلية قبل أن تكون نتيجة تأثيرات خارجية فأتلفت الهوية وألغت الخصوصية الثقافية مما يدق ناقوس الخطر !!
أخطر الأزمات التي تهدد الوطن وتحدث التمزقات والشروخ في الهوية هي تلك التي تمس منظومة القيم وبنية الأسرة والكيان المجتمعي اذ أن استهداف الثوابت الدينية واللغوية والأخلاقية المشكلة للهوية أو تعريضها للإقصاء والإلغاء والتهميش سينعكس في الآتي على تماسك المجتمع واستقراره، وما نراه اليوم من اختلال وهدم للأخلاق والقيم لم يكن نتاج مرحلة زمنية قصيرة بل جاء نتيجة مسار تراكمي مر عبر فترات متعددة بدأت بتأثيرات داخلية متداخلة وتزامنت مع تحولات عالمية متسارعة وضغوط خارجية متزايدة.
وبين ثنائية الخصوصية والمغايرة في مقاربة مفهوم الهوية يبرز دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في تغذية التحولات الثقافية والحضارية وفي زرع قيم وسلوكات دخيلة لدى الأفراد والجماعات فأسهمت بقصد أو بدون قصد في توليد أزمة قيمية مست القيم الأخلاقية الأصيلة والمصالح الجماعية وهددت الأخلاق العامة والسلوكات الاجتماعية مما أدى الى اضعاف منظومة القيم ودفع الهوية الوطنية نحو تراجع سلبي يفرض وقفة جادة واعادة نظر شاملة.
أولا – شيوع استخدام الوسائط الرقمية أضحت سلاح دمار شامل تسببت في قتل مكونات ومرتكزات الهوية الوطنية والحضارية حين ترى الأفراد والجماعات يلهثون وراء الصور النمطية للحداثة، ويدمنون على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي ونوافذها الاباحية، ويغطسون في مستنقع ثرثرة الشات Tchat والتنكيت المبتذل الخالية من كل روح اجتماعية أو تربوية.. وفي هذا الفضاء الرقمي الأزرق تجد بعض “نجوم” الفن والرياضة والغناء والتمثيل يتحولون الى أدوات لإعادة تشكيل القيم خصوصا حين “يتجرأ” أحدهم ويتجرد من أخلاق مجتمعه ويقدم زوجته كوسيلة لجذب المعجبين (لايك – Like) دون احراج في أن تستعرض مفاتنها بلا خجل طمعا في ارتفاع وتضخم أرقام (المعجبين) تتجاوز الحدود الجغرافية ولو كان الثمن تسليع الخصوصية وهدم القيم الأسرية..
في مشهد آخر ترى (نجما ) أو نجوما مشاهير في ميادين مختلفة يشاركون زوجاتهم في حفلات غنائية أو في استوديوهات الرقص وينقل الحفل على الهواء وترى الاختلاط يحدث بين الزوج والحبيب والقريب مع الغريب ويقف الزوج لالتقاط الصورة التذكارية متباهيا بالمشهد وكأن اختلال المعايير أصبح مصدر فخر لا موضع مساءلة ويحدث الانفلات الاخلاقي الذي يهوي بالمجتمعات الى هاوية السقوط والفناء وتتحول الفئة “المؤثرة” الى أداة فساد. يقول الله تعالى (واذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا).
ثانيا – غزو المسلسلات والأفلام المخلة بالآداب العامة والمشحونة بالعنف والإيحاءات الجنسية لشاشاتنا وقنواتنا التلفزية دون تمييز بين الفئات السنية ودون احترام للضوابط الأخلاقية العامة والتشريعات القانونية في القطاع مستهدفة ايقاظ واشعال فتيل الغرائز الجنسية عند أطفالنا وفتياتنا وشبابنا وشاباتنا خارج الرقابة الأسرية والمجتمعية وكأن المطلوب هو التطبيع مع الخطاب الإباحي وتحويله الى مادة استهلاكية يومية. ومن البرامج الاجتماعية وبرامج التنشيط الفني يمكننا الاحالة الى أحد البرنامج التلفزية المعروفة (لالّة العروسة)الذي يرى منتجوه ومقدموه أنهم يبرزون و “يسوّقون” قيمة الزواج في الحياة الاجتماعية والإنسانية ويعرضون صوّرا “ديكوريه” للزفاف المغربي التقليدي !! ويسوّقونه في سياق ترفيهي اشهاري وكأنهم يحولون مؤسسة الزواج الى سلعة تقدم في قالب فني – ترفيهي ويحولون عقد الزواج وهو ميثاق غليظ الى مادة استهلاكية وأداة لتحقيق الشهرة أو التنافس للحصول على الجوائز المالية والمادية وليس وسيلة للاستقرار والمودة واستمرار النسل مما يقلل من قيمته الروحية.
وفي مستوى آخر يركز هذا البرنامج “الترفيهي” على المنافسة في اظهار المهارات الخاصة في الطبخ والتدبير المنزلي (ثقافة الاستهلاك) كمعيار للنجاح في الحياة الزوجية مع تسويق صورة نمطية تقليدية عن دور المرأة والرجل كزبونين في عالم التسوق والتبضّع بدلا من التركيز على التوافق الأسري والفكري والمهني…
ثالثا – داخل شبكات التواصل الاجتماعي وبين العتبات الرقمية تنتشر “المجموعات الرقمية” في تواصل افتراضي عبر الرسائل المشفرة والمكشوفة لتسويق شعارات مثل الحرية والثورة وحقوق الانسان لا لتحقيق حياة أفضل للفرد والمجتمع ولا لمنطق الإصلاح والانصاف وانما القصد من هذه الشعارات تفكيك العلاقة الأسرية بين المرأة والرجل والتشكيك في المرجعيات الدينية والتمرد عليها وتبني مقاربات جديدة باواليات الصدام والمواجهة مع القيم والعادات مع كل ما يترتب عن هذا الصدام من انغلاق مسرف على الذات والانفتاح المفرط والمعتوه على الآخر مما يتسبب في حدوث شرخ واسع في العلاقات الاجتماعية والانسانية فتتناسل الأسئلة وتتعاظم التساؤلات المفخخة والمفضوحة: لماذا الطاعة واجبة على الزوج؟ لماذا الزوجة مجبرة على خدمة زوجها؟ ولماذا الالتزام بالحمل والرضاعة؟ ولماذا الرجال قوامون على النساء؟ !!
رابعا – الانبهار المزمن بالحداثة و”القيم العلمانية” في صيغتها المتطرفة والدعوة في المقابل الى ترك وهجران القيم والعادات المحلية والغاء المكون الديني والبعد الروحي باعتبارهما عائقان لكل مشاريع التنمية والنهضة والحداثة والديموقراطية .. هي آراء ومواقف عدمية لا تبني فكرا انسانيا يقينيا ولا تعبّد الطريق الى حقل التفكير العلمي وانما تؤسس لهوية مستلبة تتماهى مع نموذج الهوية الغربية في صيغتها العلمانية وهناك من “المحرّضين الرقميين” المتسللين الى شبكات التواصل الاجتماعي من يتطفل على الحقل الديني وعلى رموز الفقه والتشريع الاسلامي لا للمجادلة الفقهية أو القانونية وخصوصا في قضايا مثل الحجاب وتعدد الزوجات والرّبا ولا بقصد الفهم والتأصيل بل للتشكيك في جدوى الحجاب والتحريض ضد التعدد مع ربط موضوعهما بالحرية – هكذا- في طرح يفرغ النص الديني من مقاصده وفي خطاب يخلط بين الحرية والتحرر ومقدمين التمرد على الأخلاق باعتباره شجاعة فكرية.. وبذلك يزرعون الشك في نفوس الناس حتى ينسلخوا عن ثقافتهم وعن كل قيد اجتماعي مما يؤدي الى حدوث شرخ في الهوية تحت مسمى التحرر والثورة .. وبعض الخطابات المحرضة لا تتوقف عند حدود التساؤلات بل تتجاوزها الى الدعوة الصريحة للانسلاخ من المحددات الدينية والقيم المجتمعية تحت شعار (العيش في فضاء الحرية المطلقة) لدفع النساء والشباب في ممارسة “حريتهم” كما يشاؤون دون ضوابط وحدود أخلاقية واجتماعية ويقدمون التحرر بوصفه قطيعة مع الأسرة والدين ويطلقون شعارات منشؤها وأفقها تغريبي (المرأة هي الحياة وهي الحرية) – (جسدي لي وقراري حر) – (دعوني أفك قيد المجتمع وأتكلم بحرية ..) في مقابل تصوير القيم الدينية والأسرية باعتبارها قيودا تكبل المرأة والهدف الأساسي من هذا الانسلاخ الخلقي والأخلاقي هو تحطيم التوازن الطبيعي بين المرأة والرجل وهدم القيم الأسرية واضعاف المجتمع وافراغ الهوية من مضمونها الأخلاقي والوجودي المستندة الى المكون الديني والنيل من مكانة المرأة وهيبتها وتفريغها من دورها الإنساني والأسري وتحويلها الى سلعة رمزية تستثمر في الأسواق التجارية وتستغل في الإعلام والدعاية والاشهار وفي خطابات لا تنصف المرأة بقدر ما تعيد انتاج هشاشتها وتسهم في تفكيك الأسرة وارباك منظومة القيم وضرب التوازن الذي شكل عبر التاريخ أساس الاستقرار المجتمعي.
هذه الأمثلة وغيرها لا يمكن التعامل معها بوصفها حالات فردية أو ممارسات معزولة بل هي مؤشرات خطيرة على خلل داخلي عميق يعيد تشكيل المجتمع والوعي المجتمعي ويضعف منظومة القيم ويدفع الهوية الوطنية نحو تراجع مخيف ما لم نواجه هذا الوضع الهجين بموقف ثقافي وتربوي وإعلامي واضح يعيد الاعتبار للثوابت الحضارية للأمة ويضع حدودا فاصلة بين الحرية والمسؤولية وبين التجديد والاستيلاب.
سؤال الهوية ليس هو (من نحن بالمقارنة مع الآخر) .. الهوية هي وعي وادراك ثقافي وحضاري لحدود الخصوصية والاختلاف.. تتغدى من عمقها التاريخي وتتجلى في العمران والثقافة والأدب والقيم والدين واللغة وأي اتلاف للهوية الفردية والغاء للخصوصية الثقافية واستبعاد للقيم الأخلاقية والدينية والحضارية قد تسبب في جز أوصال المجتمع من الداخل وتهدد الهوية الوطنية بالاندثار .



