استهداف غير مبرر.. زلة لسان تتحول إلى محاكمة افتراضية لسناء رحيمي

ليست الأخطاء في مهنة الصحافة حدثا استثنائيا، بل جزءا من طبيعة العمل المباشر الذي يضع الصحافي في سباق محموم مع الزمن وضغط الأستوديو وسيف الكاميرا المسلّط أمام ملايين المشاهدين. غير أن ما حدث مؤخرا مع الزميلة سناء رحيمي، مقدمة الأخبار بالقناة الثانية “دوزيم”، تجاوز حدود النقد المهني إلى حملة استهداف شخصية لا مبرر لها.

فخلال نشرة منتصف النهار، زلّ لسان رحيمي حين قالت إن جلالة الملك محمد السادس يبلغ 72 عاما بدلا من 62، قبل أن تصحح الأمر في نفس النشرة؛ خطأ عابر، طبيعي، لا يقلل من قيمة المناسبة ولا من مكانة الملك محمد السادس في قلوب المغاربة، ولا من المسار المهني لصحافية راكمت سنوات طويلة من الخبرة والالتزام.

لكن بدلا من أن يُتعامل مع الواقعة بميزان العقل، تحوّلت زلة لفظية إلى مادة للتشهير والتهويل، عبر مقاطع مجتزأة رُوّجت بكثافة في بعض المنصات والصفحات الإلكترونية.

لم يكن الهدف تصحيح خطأ مهني، بقدر ما كان تصفية حسابات قديمة مع صحافية عُرفت بجرأتها وانتقادها العلني لضعف تواصل الحكومة مع المواطنين، خصوصا خلال أزمات سابقة.

إن الفرق شاسع بين خطأ معلوماتي يصر صاحبه على ترديده فيفقد المصداقية، وبين هفوة لفظية في بث مباشر تُصحح فوراً. المؤسسات الإعلامية العالمية من “بي بي سي” إلى “سي إن إن” تعرف هذا جيدا، وتضع بروتوكولات للتصويب السريع بدل التشهير. غير أن ما نراه اليوم هو انزلاق نحو ثقافة محاكم التفتيش الافتراضية، حيث تتحول الهفوات إلى “جرائم كبرى” وتُستخدم كأدوات للنيل من الصحافيين.

الحقيقة أن ما يثير القلق ليس الخطأ نفسه، بل هذا الإصرار على اقتناصه وتضخيمه، فالذين يهاجمون سناء رحيمي يعلمون جيدا وزنها المهني وحضورها في الإعلام الوطني، لكنهم وجدوا في زلة لسانها فرصة لتصفية الحسابات، وهو ما يضر بالمشهد الإعلامي أكثر مما يخدمه، لأنه يزرع الخوف في نفوس الصحافيين ويدفعهم إلى التردد بدل الجرأة في أداء رسالتهم.

إن الدفاع عن سناء رحيمي، في النهاية، ليس دفاعا عن شخصها فقط، بل عن حق كل صحافي في أن يُخطئ دون أن يُصلب، وعن جوهر المهنة في مواجهة موجة التشهير الرخيص. فالصحافة القوية تُبنى على النقد المسؤول، وعلى ثقافة تميّز بين الخطأ والتقصير، لا على حملات استهداف تُفرغ المهنة من رسالتها.

زلة لسان لا تُسقط تاريخا مهنيا، ولا تُلغي سنوات من العطاء، ولا تُخفي الحقيقة البسيطة: أن المغاربة يعرفون قيمة صحافييهم، ويدركون أن الخطأ إنساني، بينما التشهير المتعمد سقوط أخلاقي.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *