السجن والتطرف: قراءة سوسيولوجية في تحولات المؤسسة السجنية الفرنسية عندما يصبح السجن مختبراً للسياسات الأمنية

بقلم – حبيبة زوكي
لم يعد السجن، في التجارب العقابية المعاصرة، مؤسسة تُعنى بتنفيذ الأحكام القضائية فحسب، بل غدا فضاءً تتقاطع داخله اعتبارات الأمن والعدالة وإعادة الإدماج. وقد برز هذا التحول بوضوح في فرنسا عقب الهجمات الإرهابية التي شهدتها البلاد منذ عام 2015، حين انتقل النقاش من مساءلة الجريمة الإرهابية إلى مساءلة المؤسسة السجنية نفسها: هل أصبحت بيئة مواتية لانتشار التطرف، أم أنها قادرة على أن تكون أحد فضاءاتالوقاية منه؟
هذا السؤال لم يكن مجرد سجال سياسي أو إعلامي، بل قاد إلى مراجعة عميقة للسياسة السجنية الفرنسية. فقد أُنشئت وحدات متخصصة لتقييم السجناء المدانين في قضايا الإرهاب أو الذين ظهرت لديهم مؤشرات على تبني خطاب متطرف، وعُزز حضور الخبرة النفسية والاجتماعية، وتنامى دور الاستخبارات السجنية في جمع المعلومات وتحليلها، وأصبحت إدارة المخاطر محوراً أساسياً في اتخاذ القرار. وهكذا، دخلت المؤسسة السجنيةمرحلة جديدة لم تعد فيها العقوبة غاية في ذاتها، بل جزءاً من سياسة وقائية أوسع تسعى إلى الحد من احتمالات العنف قبل وقوعه.
غير أن هذا التحول يثير أسئلة تتجاوز حدود التدبير الأمني. فإلى أي حد يمكن للمؤسسة السجنية أن توفق بين متطلبات حماية المجتمع والحفاظ على وظيفتها الإصلاحية؟ وهل يؤدي توسيع منطق الوقاية إلى تعزيز فعالية السياسة العقابية، أم إلى إعادة تعريف السجين باعتباره خطراً محتملاً أكثر منه شخصاً قابلاً لإعادة الإدماج؟
انطلاقاً من هذه الإشكالات، يقدم هذا المقال قراءة سوسيولوجية في التحولات التي عرفتها المؤسسة السجنية الفرنسية، اعتماداً على الدراسات الإثنوغرافيةالتي أنجزها الباحثان جيل شانترين وداميان شير. ولا يقتصر الهدف على عرض نتائج هذه الدراسات، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل ما تكشف عنه من تغير في فلسفة العقوبة، ومن إعادة تشكيل للعلاقات المهنية داخل السجون، ومن صعود للمقاربة الأمنية بوصفها إطاراً موجهاً للسياسة السجنية في فرنسا.
وحدات تقييم التطرف: عندما تتحول العقوبة إلى مجال للتشخيص
جاء إحداث وحدات تقييم التطرف في سياق سياسي وأمني اتسم بالبحث عن أدوات جديدة لفهم ظاهرة التطرف داخل السجون والحد من مخاطرها. ولم يكن الهدف إنشاء فضاءات إضافية للاحتجاز، بقدر ما كان تطوير آلية تسمح بقراءة المسارات الفردية للسجناء قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بتوجيههم داخل المنظومة السجنية.
وتستقبل هذه الوحدات، لفترة زمنية محددة، السجناء المحكوم عليهم في قضايا الإرهاب أو الذين ظهرت لديهم مؤشرات على تبني خطاب متطرف. وخلال هذه المرحلة، يخضع النزيل لتقييم تشارك فيه اختصاصات متعددة، تشمل الجوانب الأمنية والنفسية والاجتماعية، بهدف تكوين صورة متكاملة عن شخصيته، ومساره، وعلاقاته، ومدى قابليته للانخراط في برامج إعادة التأهيل.
وتكشف الدراسة أن أهمية هذه الوحدات لا تكمن في نتائج التقييم وحدها، بل في المنطق الذي تقوم عليه. فالسؤال لم يعد: ماذا ارتكب السجين؟ بل أصبح أيضاً: ما الذي يمكن أن يفعله مستقبلاً؟ وهنا يتجلى التحول الذي عرفته السياسة السجنية الفرنسية، حيث انتقل مركز الاهتمام من الفعل الإجرامي إلى تقدير احتمالات الخطورة، ومن تنفيذ العقوبة إلى استباق المخاطر.
ويمثل هذا التحول إحدى أبرز السمات التي طبعت السياسة الجنائية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد المؤسسة السجنية مطالبة بتنفيذ العقوبات فحسب، بل أصبحت شريكاً في إنتاج المعرفة الأمنية، والمساهمة في الوقاية من التطرف العنيف. وهو ما منح السجنوظيفة جديدة تتجاوز الإطار التقليدي للعقاب، لتجعله فاعلاً في منظومة الأمن العام.
البحث الإثنوغرافي: من الخطاب الرسمي إلى الممارسة اليومية
تكمن القيمة العلمية لأعمال جيل شانترين وداميان شيرفي أنها لم تكتف بتحليل التشريعات أو السياسات العمومية، بل اختارت الاقتراب من الواقع الميداني، حيث تُصنع القرارات وتُختبر السياسات في تفاصيل الحياة اليومية داخل السجن.
ومن خلال الملاحظة المباشرة، والمقابلات مع مختلف المتدخلين، أظهر البحث أن المؤسسة السجنية ليست جهازاً إدارياً يعمل وفق منطق واحد، بل فضاءً تتقاطع داخله رؤى مهنية متعددة. فلكل فاعل طريقته في قراءة سلوك النزيل، ولكل تخصص معاييره في تقدير مستوى الخطورة، الأمر الذي يجعل القرار النهائي ثمرة نقاش جماعي أكثر منه نتيجة لمعيار تقني ثابت.
كما كشفت الدراسة أن الواقع العملي أكثر تعقيداً مما تعكسه الوثائق الرسمية. فالممارسات اليومية تفرض على المهنيين اتخاذ قرارات في ظل معطيات متغيرة، وتضعهم أمام مواقف لا توفر دائماً إجابات واضحة. ومن هنا، لا يبدو تقييم التطرف عملية تقنية محضة، بل ممارسة اجتماعية تتداخل فيها الخبرة المهنية مع التقدير الشخصي، وتتأثر بالسياق المؤسسي الذي تُمارس فيه.
وهذا ما يمنح المنهج الإثنوغرافي أهميته، لأنه ينقل الباحث من مستوى النصوص إلى مستوى الممارسة، ويتيح فهم الكيفية التي تُطبق بها السياسات العمومية داخل المؤسسة السجنية، بعيداً عن الصورة التي تقدمها الخطابات الرسمية.
تقييم التطرف: بين صعوبة التشخيص وحدود اليقين
إذا كانت وحدات تقييم التطرف تمثل أبرز تجليات التحول الذي عرفته المؤسسة السجنية الفرنسية، فإن عملية التقييم نفسها تظل الحلقة الأكثر تعقيداً داخل هذا المسار. فالتطرف ليس حالة طبية يمكن تشخيصها باختبار علمي، ولا سلوكاً ثابتاً يمكن قياسه بمعايير جاهزة، بل هو مسار فردي تتداخل في تشكله عوامل فكرية ونفسية واجتماعية وثقافية، الأمر الذي يجعل أي تقييم عرضة لهامش من عدم اليقين.
لهذا السبب، لا تعتمد فرق التقييم على عنصر واحد، وإنما تستند إلى مجموعة من المؤشرات المتكاملة، تشمل السلوك اليومي للنزيل، وطبيعة علاقاته داخل المؤسسة، ومواقفه من العنف، وخطابه، ومدى انخراطه في برامج المتابعة والتأهيل. غير أن هذه المؤشرات لا تقدم حقيقة نهائية، وإنما تساعد على بناء تقدير مهني يظل قابلاً للمراجعة كلما ظهرت معطيات جديدة.
وتبين الدراسة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع المعلومات، وإنما في تأويلها. فقد يُفسَّر تغير سلوك النزيل على أنه مراجعة فكرية حقيقية، كما قد يُنظر إليه باعتباره استجابة ظرفية لظروف الاحتجاز أو محاولة للاستفادة من الامتيازات التي يتيحها حسن السلوك. وبين هذين الاحتمالين، يجد المهنيون أنفسهم أمام مسؤولية إصدار تقدير قد يترتب عليه تغيير المسار السجني للنزيل.
وفي هذا الإطار، تلفت الدراسة الانتباه إلى أن بعض الأدبيات الأمنية الغربية استعملت مفهوم «التقية» للإشارة إلى احتمال إخفاء بعض السجناء لقناعاتهم الحقيقية خلال مرحلة التقييم. غير أن الباحثين يدعوان إلى التعامل بحذر مع هذا التوظيف، لأن المفهوم في أصله ينتمي إلى سياق ديني وتاريخي محدد، ولا يجوز نقله إلى المجال الأمني باعتباره تفسيراً عاماً لسلوك جميع النزلاء. فمثل هذا التوسع في استخدام المفاهيم قد يؤدي إلى تغليب منطق الاشتباه على التحليل العلمي، ويجعل التقييم أسيراً للأحكام المسبقة أكثر منه قائماً على الوقائع.
وتخلص الدراسة إلى أن تقييم التطرف لا يمكن أن يبلغ درجة اليقين المطلق، وإنما يظل عملية تقديرية تستند إلى قراءة متأنية لمجموعة من المؤشرات، مع الإقرار بأن السلوك الإنساني يظل أكثر تعقيداً من أن يُختزل في نماذج تفسيرية جاهزة.
الاستخبارات السجنية: فاعل جديد في إدارة المؤسسة العقابية
من أبرز التحولات التي عرفتها السجون الفرنسية خلال السنوات الأخيرة تنامي دور الاستخبارات السجنية، التي لم تعد تقتصر وظيفتها على جمع المعلومات المتعلقة بأمن المؤسسة، بل أصبحت طرفاً أساسياً في إنتاج المعرفة التي تُبنى عليها قرارات التقييم والتصنيف.
وقد أدى هذا التطور إلى إعادة تشكيل العلاقات المهنية داخل السجن. فلم يعد موظف إدارة السجون مجرد مسؤول عن حفظ النظام، كما لم يعد الأخصائي النفسي أو العامل الاجتماعي يعمل بمعزل عن باقي المتدخلين، بل أصبح الجميع يساهم، بدرجات متفاوتة، في إنتاج المعلومات التي تعتمدها الإدارة في تقدير مستوى الخطورة واتخاذ القرار.
وتكشف الدراسة أن هذا التداخل بين الوظائف يعكس انتقال المؤسسة السجنية إلى نموذج جديد يقوم على العمل الجماعي وتبادل المعلومات، غير أنه يثير، في المقابل، أسئلة تتعلق بحدود الاختصاصات المهنية، وبكيفية التوفيق بين متطلبات الأمن ومقتضيات السرية المهنية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعطيات النفسية أو الاجتماعية التي تُجمع في إطار علاقة تقوم أساساً على الثقة.
ولا ترى الدراسة في هذا التحول مجرد تغيير تنظيمي، بل تعتبره مؤشراً على إعادة تعريف وظيفة السجن نفسه. فكلما اتسع دور الاستخبارات السجنية، ازداد حضور المقاربة الأمنية في مختلف مراحل تنفيذ العقوبة، وأصبحت المعلومة تحتل مكانة مركزية في إدارة المؤسسة العقابية وصناعة القرار.
من إعادة الإدماج إلى إدارة المخاطر: هل تغيرت فلسفة السجن؟
تُظهر الدراسة أن التحولات التي شهدتها المؤسسة السجنية الفرنسية لا يمكن اختزالها في استحداث وحدات جديدة أو تطوير آليات للتقييم، بل تعكس انتقالاً تدريجياً من فلسفة تقوم على إعادة الإدماج إلى مقاربة تمنح إدارة المخاطر موقعاً متقدماً في السياسة العقابية.
ولا يعني ذلك أن إعادة الإدماج فقدت مكانتها داخل المنظومة السجنية، وإنما أصبحت تُمارس في ظل منطق جديد يضع الاعتبارات الأمنية في صدارة الأولويات. فكلقرار يتعلق بتوجيه النزيل أو إدماجه في برنامج تأهيلي أو نقله إلى وحدة معينة، أصبح يرتبط أيضاً بتقدير مستوى الخطورة واحتمال العود إلى تبني العنف.
ويذهب الباحثان إلى أن هذا التحول يعكس تغيراً أوسع في السياسات الجنائية المعاصرة، حيث لم يعد تدخل الدولة يقتصر على معاقبة الجريمة بعد وقوعها، بل امتد إلى إدارة المخاطر المحتملة والحد منها قبل أن تتحول إلى أفعال. وهكذا، أصبح المستقبل، بما يحمله من احتمالات، عنصراً مؤثراً في صناعة القرار، إلى جانب الوقائع التي أثبتها الحكم القضائي.
غير أن هذه المقاربة تثير إشكاليات قانونية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها. فكلما اتسعت سلطة التقدير المبنية على توقع السلوك المستقبلي، ازدادت الحاجة إلى ضمانات تحول دون تحويل الاشتباه إلى قرينة، أو المؤشرات إلى أدلة قاطعة. ولذلك، تؤكد الدراسة أن إدارة المخاطر ينبغي أن تظل أداة لتدعيم القرار، لا بديلاً عن المبادئ التي يقوم عليها القانون، وفي مقدمتها قرينة البراءة، واحترام الكرامة الإنسانية، والفردية في تنفيذ العقوبة.
خاتمة
تكشف التجربة الفرنسية أن مكافحة التطرف داخل السجون لم تقتصر على تطوير أدوات جديدة للتقييم، بل أحدثت تحولاً عميقاً في بنية المؤسسة السجنيةووظائفها. فقد أعادت توزيع الأدوار المهنية، وعززت حضور الاستخبارات السجنية، ورسخت منطق إدارة المخاطر بوصفه أحد المرتكزات الأساسية للسياسة العقابية.
غير أن القيمة الحقيقية للدراسات التي أنجزها جيل شانترين وداميان شير لا تكمن في وصف هذه التحولات فحسب، وإنما في إبراز ما تطرحه من أسئلة سوسيولوجية حول مستقبل المؤسسة السجنية. فالسجنلم يعد فضاءً لتنفيذ العقوبة فقط، بل أصبح مؤسسة تنتج المعرفة الأمنية، وتسهم في الوقاية من المخاطر، وتشارك في رسم الحدود الفاصلة بين الأمن والحرية.
وتؤكد هذه الدراسات أن نجاح السياسات السجنية لا يقاس بقدرتها على تشديد الرقابة أو توسيع إجراءات المراقبة فحسب، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين حماية المجتمع وصيانة الحقوق الأساسية للنزلاء. فحين يطغى هاجس الأمن على الوظيفة الإصلاحية، يفقد السجن أحد أهم مقومات مشروعيته، ويغدو فضاءً لإدارة المخاطر أكثر منه مؤسسة لإعادة بناء الإنسان.
ومن هذا المنظور، تقدم التجربة الفرنسية مادة علمية ثرية للنقاش، ليس لأنها تقدم نموذجاً جاهزاً للاقتداء، وإنما لأنها تكشف عن التحديات التي تواجه المؤسسات العقابية في زمن تتزايد فيه التهديدات الأمنية، وتتداخل فيه متطلبات الوقاية مع رهانات العدالة وإعادة الإدماج.
المراجع
شانترين، جيل، وشير، داميان (2021). المراقبة والتطرف والتحولات داخل السجون: قراءة نقدية ذاتية لدراسة إثنوغرافية أُنجزت في سياق متوتر. مجلة الإثنوغرافياالمعاصرة (Journal of Contemporary Ethnography).
شير، داميان، وشانترين، جيل (2021). الاستخبارات والتطرف في السجون الفرنسية: تحليل سوسيولوجي من القاعدة إلى القمة. مجلة الحوار الأمني (Security Dialogue).
شانترين، جيل، وشير، داميان (2021). صناعة العدو؟ منطق انعدام المخاطر وتقييم السجناء في وحدات تقييم التطرف داخل السجون الفرنسية. مجلة العقاب والمجتمع(Punishment & Society)، المجلد 23، العدد 2، ص 260-280.



