مجتبى خامنئي مرشد الضرورة : رسالة طهران الخاطئة إلى واشنطن

بقلم : البراق شادي عبد السلام

أرسى مجلس خبراء القيادة في طهران إحداثيات جديدة لمنظومة الحكم باختيار مجتبى خامنئي مرشدا ثالثا، إذ تمثل هذه الخطوة إعادة تموضع استراتيجي داخل غرفة عمليات السلطة الإيرانية. وتكشف هذه الخطوة بوضوح عن فشل مجلس الخبراء في الحفاظ على ميكانيزمات الاختيار التقليدية أو صون استقلالية القرار الفقهي، بعد أن خضع بشكل كامل لسطوة العناصر المقربة من الحرس الثوري التي فرضت إرادتها لتأمين انتقال السلطة. وبناء عليه، تحول هيكل القيادة إلى منصة إدارة أزمات يقودها مجتبى رجل الظل السابق بهدف ضمان تماسك الجبهة الداخلية وسط ضغوط إقليمية متلاحقة، مع تفعيل بروتوكولات “الواقعية القتالية” التي تتبناها أجنحة صقور الحرس لتحصين مركز القرار ضد أي اهتزازات بنيوية قد تعصف بوحدة القيادة والسيطرة. تتبلور هذه الاستراتيجية في سعي القيادة الجديدة نحو نقل النظام من مربع المناورة الإقليمية بالوكالة إلى مربع المواجهة المباشرة، حيث تهدف عمليات ترميم سلاسل الإمداد إلى إحياء القنوات المالية والعسكرية المتضررة بفعل الحصار. وبناء عليه، يعمل اختيار مجتبى خامنئي على تثبيت نقاط الارتكاز السيادي عبر تحويل مؤسسة المرشد إلى غرفة عمليات مركزية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية، مما يضمن بقاء النواة الصلبة للنظام في حالة اشتباك دائم لانتزاع اعتراف دولي بالواقع الجديد وحماية المجال الحيوي من الانهيار الهيكلي.

في محاولة لفهم الوضع السياسي الذي أفضى بـ مجتبى خامنئي إلى كرسي المرشد الأعلى في ظل أزمة مارس 2026، لابد من تحليل دور “الكتلة الصلبة” الموالية للحرس الثوري ونجل المرشد داخل مجلس الخبراء. تتجاوز هذه الكتلة المكونة من 15 عضوا استراتيجيا التصنيفات الفقهية التقليدية، لتتبلور كذراع تنفيذي وأمني مهيمن يمتلك مفاصل الاستخبارات والقضاء والحوزة، مما جعلها “غرفة القيادة المركزية” التي أدارت عملية الخلافة.

وفقا لهذا السيناريو التخميني، قاد هذه الكتلة علي رضا أعرافي (مدير الحوزات العلمية والنائب الثاني لرئيس المجلس) وعباس كعبي (أمين سر المجلس والمستشار القانوني للحرس)، حيث عملا على تحويل مسار التصويت من “اختيار فقهي” خاضع لمعايير الأعلمية إلى “ضرورة أمنية وجودية” تفرضها طبيعة المواجهة العسكرية. وضمن هذا السياق، هناك ديناميكية للسلوك التصويتي تتلخص في: هندسة “بيعة الضرورة” وتفعيل النواة الصلبة التابعة للحرس الثوري كأداة حاسمة لإدارة المشهد داخل المخابئ المحصنة؛ إذ اعتمد هذا السلوك على تكامل دقيق في الأدوار؛ فتجسدت المساهمة القانونية والأمنية في حضور كل من غلام حسين محسني إيجئي (رئيس السلطة القضائية) وقربان علي دري نجف آبادي (وزير الاستخبارات الأسبق) لشرعنة الانتقال الاستثنائي، بينما تولى المنظرون الأيديولوجيون مثل محمد مهدي ميرباقري (رئيس أكاديمية العلوم الإسلامية) ومحمود رجبي (رئيس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم) صياغة مفهوم “الولاية الميدانية” لتجاوز شرط المرجعية التقليدية لصالح كفاءة الأمنية.

والغالب أنه عند انتقال المجلس إلى مرحلة التنفيذ الإجرائي وحسم المداولات، حدث اصطفاف تلقائي حول صقور الأقاليم مثل أحمد علم الهدى (سادن الروضة الرضوية) وأحمد خاتمي (إمام جمعة طهران المؤقت) بوصفهم محور ارتكاز معنوي لبقية الأعضاء الـ 88، بدعم من تكنوقراط المؤسسات كـ حسين علي سعدي (رئيس جامعة الإمام الصادق)، وهاشم حسيني بوشهري (رئيس رابطة مدرسي حوزة قم)، وغلام رضا مصباحي مقدم (خبير الاقتصاد وعضو مجمع التشخيص). ولضمان بيعة “محور المقاومة” واستقرار الجبهات الخارجية، هناك عناصر مكلفة بالتواصل الاستراتيجي الإقليمي؛ حيث يلعب محسن قمي (نائب الشؤون الدولية في مكتب المرشد) دور مهندس الولاء العابر للحدود، بمساندة علي عباسي (رئيس جامعة المصطفى الدولية) عبر شبكة النفوذ الأكاديمي العالمي، وسيد مجتبى حسيني (ممثل المرشد السابق في العراق) كحلقة وصل ميدانية، بالإضافة إلى محسن أراكي (عضو هيئة الرئاسة ومنظر التقريب العالمي). هذا التناغم الوظيفي أدى إلى صهر مجلس الخبراء بالكامل في بنية الحرس الثوري، محولا التعيين إلى قرار استراتيجي لضمان بقاء النظام تحت إشراف “الدولة العسكرية العميقة”.

ويكتسي هذا التحول أهمية قصوى في ظل التطورات المتسارعة التي تلت اغتيال المرشد السابق في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حيث يجد القائد الجديد نفسه في مواجهة مفتوحة مع “الاستسلام غير المشروط” الذي تطالب به واشنطن. في حين تعمل غرف العمليات في طهران على تحويل مؤسسة المرشد إلى حصن سيادي مغلق لامتصاص مفاعيل الغارات الجوية المستمرة، إذ تشير إحداثيات الميدان إلى أن انتخاب مجتبى تحت ضغط “صقور الحرس” يهدف إلى قطع الطريق أمام أي تصدع في عقيدة القتال أو تراجع في نفوذ المحور، مما يجعل من المرحلة القادمة اختبارا حقيقيا لقدرة “سفينة النظام” على الصمود أمام إعصار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتصاعد.

إذ تفرض إحداثيات الثامن من مارس واقعا ميدانيا يتطلب الانتقال من “السيادة النظرية” إلى “الواقعية القتالية” بهدف احتواء تداعيات الفراغ الذي خلفه غياب القيادة السابقة وسط عواصف إقليمية غير مسبوقة. وبناء عليه، تتحرك أجهزة القيادة والسيطرة في طهران و بشكل خاص داخل منظومة الحرس الثوري لترميم التصدعات في جدار الردع عبر تفعيل بروتوكولات تأمين النواة الصلبة، مما يحول عملية التوريث إلى مناورة استراتيجية تهدف لانتزاع تفويض بالبقاء وسط محيط إقليمي مشتعل و مواجهة شبه شاملة مع أقوى سلاح طيران في العالم ومع تصاعد الحرب الإقليمية، يصبح تثبيت أركان “المرشد الثالث” بمثابة إعادة تذخير لترسانة القرار السياسي، سعيا لفرض توازن قوى جديد يمنع غرق الهيكل التنظيمي تحت وطأة الاستهداف المباشر.
و على ضوء ما سبق تقف منظومة الحكم الجديدة في طهران اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث يرتبط بقاء المرشد الثالث مجتبى خامنئي بقدرته على موازنة كفتي التصعيد العسكري وتماسك الدولة في آن واحد. وتأتي هذه اللحظة الفارقة بعد أحداث 8 مارس التي شهدت تنصيب القيادة الجديدة وسط غارات جوية مكثفة استهدفت مفاصل حيوية في طهران وأصفهان وشيراز. إن هذه المعادلة ليست بقرار سيادي محض، بل هي رهينة الموقف الامريكي الذي يمثل الناظم الوحيد لترددات القوة في المنطقة؛ فالمفتاح النهائي لاستمرار النظام أو انهياره بات محفوظ في أدراج الاستراتيجية الامريكية العليا، وهو ما يضع القيادة أمام ثلاثة مسارات:

▪المسار الاول: الانغلاق وتأمين الجبهة الداخلية
يعتمد هذا السيناريو على نجاح أجهزة القيادة في تحويل الضغط العسكري الخارجي إلى وسيلة لتقوية السلطة وتثبيت أركان حكم المرشد الجديد. لكن هذا المسار لن ينجح إلا إذا أبقت واشنطن على هوامش تنفس اقتصادية تمنع الانفجار الشعبي الكلي. هنا، سيتجه النظام نحو انغلاق أمني يضمن بقاء النواة الصلبة بعيد عن تقلبات الداخل، مستفيد من حالة الانتظار والترقب في السياسة الامريكية.

▪المسار الثاني: المقايضة الكبرى والاعتراف الدولي
في هذا المسار، يحاول مجتبى توظيف نفوذه الإقليمي وما تبقى من أوراق القوة لفرض مقايضة كبرى وسط النيران. الهدف هو انتزاع اعتراف دولي يتجاوز أزمة الشرعية والرفض الامريكي المعلن لتنصيبه. هذا السيناريو معلق بالكامل على عتبة البيت الابيض؛ إذ لا يمكن لإيران أن تتحول من هدف للاستهداف إلى شريك في ترتيبات المنطقة دون صك قبول امريكي يغير وضعها السياسي بشكل جذري.

▪المسار الثالث: التفتت الهيكلي والاصطدام بالحائط
يبرز هذا التهديد كخطر حقيقي في حال قررت الادارة الامريكية إنهاء سياسة الاحتواء والانتقال إلى الضرب المباشر لشبكات الامداد ومراكز القوة. وفي ظل إعصار الضربات التي دمرت منشآت الطاقة والمطارات، قد تعجز المنظومة عن الصمود أو استعادة هيبتها العسكرية، مما يؤدي إلى انهيار هيكل الدولة ودخول البلاد في حالة من التفكك نتيجة غياب أي مساحة للمناورة أو التراجع.

إن الخلاصة التي تفرض نفسها وسط هذا المشهد المعقد، هي أن مستقبل إيران لم يعد يكتب في غرف القرار داخل طهران وحدها، بل باتت واشنطن ومعها تل أبيب هي من يملك صياغة الخاتمة لهذا الفصل التاريخي. فبين رغبة صقور الحرس الثوري في الصمود أمام إعصار الاستهداف المباشر وبين طموح مجتبى في انتزاع اعتراف بشرعيته، تظل الحقيقة الميدانية هي الحكم؛ خاصة بعد فشل مجلس الخبراء في فرض مرشد يحظى بإجماع فقهي أو شعبي، مما جعل السلطة تسقط في يد الجناح العسكري بشكل كامل. وهكذا، يدخل النظام مرحلة صراع وجودي تتلاشى فيها المنطقة الرمادية، ليصبح بقاء الهيكل التنظيمي مرهون بقدرة القيادة الجديدة على تجنب الاصطدام النهائي بالحائط، في ظل استراتيجية امريكية يبدو أنها استبدلت لغة الاحتواء بضربات هدم قواعد النظام .

المصدر

مقالات ذات صلة