احمد نور الدين يكتب عن غزوة “البريكس” والرد المطلوب على جنوب إفريقيا

بعد بيان وزارة الخارجية المغربية المتواري خلف “مصدر مأذون”، حول مقاطعة الاجتماع الجانبي المقام على هامش قمة “البريكس” في جنوب افريقيا، عاد سؤال التردد وعدم الحسم في المواقف ليفرض نفسه علينا، فهل ستقطع الرباط علاقاتها ببريتوريا كما فعلت مع فنزويلا مثلا، أم ستسحب السفير كما فعلت مع تونس؟ أم ستلتزم المنزلة بين المنزلتين، لتترك مساحات واسعة لأعداء المغرب كي يصطادوا في الماء العكر، ولو من باب سياسة “حكرونا”.. المؤكد أن الضبابية لا تخدم مواقف المغرب الذي راكم عدة نقاط ايجابية، بل يترك أصدقاء المغرب في التيه الدبلوماسي، لأنه لا أحد سيقبل أن يأكل غيره الثوم بفمه!

وحتى نتمكن من الردّ المناسب والقوي والفعال على بريتوريا علينا أن نفهم دوافعها ومحفزاتها. وللوصول إلى هذا المبتغى علينا أن نقوم بعملية التفكيك وإعادة البناء، وأن نبتعد عن التجذيف السطحي من خلال دبلوماسية البيانات، فوزارة الخارجية لها تقاليد عريقة تمتد لقرون، وليست نقابة عمالية تُصرّف مطالبها عبر البلاغات غير الموقعة أو الوقفات الاحتجاجية، مع احترامنا للعمل النقابي وأدواته النضالية. ولكن الردود الدبلوماسية تنبني على الشجاعة والوضوح، وترتكز على دراسات سياسية استشرافية وتحليل استراتيجي، وتستعين بالإسقاطات المستقبلية والنماذج الخوارزمية، وتضع فرضيات ومتغيرات تفضي إلى سناريوهات وخطط عملية في الميدان، يتقاطع فيها ما هو دبلوماسي محض بما هو سياسي حزبي، وما هو استخباراتي بما هو قوة ناعمة وجماعات ضغط وتحالفات دولية ومصالح اقتصادية، الخ.

وبالعودة إلى سلوك الدبلوماسية الجنوب إفريقية، معروف أن المواقف السياسية للدول يمكن تفسيرها في الغالب الأعم عبر محددين اثنين: الأول وهو الأكثر عقلانية والأكثر شيوعاً في العالم، ويتعلق بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وهو المحدد الرئيس الذي تتبناه معظم الدول الديمقراطية. وأما الثاني فيقترن بالاصطفاف الايديولوجي الذي قد يجعل في بعض الحالات بلدا ما يضحي بمصالحه من أجل خياراته الدوغمائية. وقد تراجع بشكل ملحوظ عدد الدول التي تعتمد هذا المحدد منذ انهيار جدار برلين، ولكنها لم تنقرض بعد.

وأعتقد أن موقف جنوب إفريقيا المعادي لوحدة المغرب وسلامة أراضيه من هذا الصنف الأخير لأنه، لا المصالح الاقتصادية ولا الأمنية ولا الاستراتيجية ترجح كفة معاداة المغرب، فالمبادلات التجارية على سبيل المثال بين بريتوريا والرباط تعادل ست مرات حجم المبادلات التجارية مع الجزائر. وعلى المستوى الاستراتيجي هناك مراكز للدراسات الاستراتيجية حتى من داخل جنوب إفريقيا تدعو حكومة بريتوريا إلى تعميق الشراكة والتعاون مع المغرب بناء على مؤشر ديناميكية الاقتصاد المغربي، داخل إفريقيا على وجه الخصوص، بالإضافة إلى الجوانب الأمنية وغيرها.

ولكن هذا لا يعفي المغرب من المسؤولية عمّا آلت إليه الأمور، فمعلوم أن جنوب إفريقيا لم تعترف بالكيان الانفصالي في تندوف طوال فترة رئاسة الزعيم نيلسون مانديلا. وذلك راجع إلى معارضته الشديدة ورفضه القاطع أن يطعن المغرب في الظهر بعد كلما قدمته المملكة من دعم شعبي ورسمي لكفاح مانديلا والمؤتمر الوطني الإفريقي ضد نظام الميز العنصري. والزعيم الإفريقي ليس من طينة القيادات الجزائرية مثل بومدين وبن بلة وغيرهما ممن رضعوا الخيانة والغدر وتربوا على اللؤم فقاموا بعض اليد التي ساعدتهم في الشدة واحتضنتهم في المحنة. فلقد كان مانديلا وفياً لمن ساعده ووقف إلى جانبه، وله شهادات موثقة بالصوت والصورة سواء أثناء زيارته للمغرب بعد تحرر بلده أو في جنوب إفريقيا وبحضور ممثلي دول العالم، حيث استفاض في الإشادة بدور المغرب الذي كان أول بلد في العالم يزوده بالسلاح ويمده بالمال، وهذه شيم الكرام.

ورغم هذه العلاقة وهذه الشهادة التي لا تقدر بثمن من الزعيم مانديلا، فإن المغرب لم يستثمرها في تغيير موقف جنوب إفريقيا من قضيتنا الوطنية المقدسة، وتخلت الخارجية المغربية عن ورقة رابحة في معاركها الدبلوماسية حين تجاهلت القنوات الحزبية التي تربط حزب المؤتمر الوطني الافريقي ببعض الشخصيات الحزبية المغربية التي قضى بعضها نحبه ومنهم من لازال على قيد الحياة.

وحتى لا نتباكى على الأطلال، علينا أن نركز على المستقبل الذي لا سبيل إلى كسب رهاناته دون أن نستأصل الورم السرطاني الخبيث من جذوره، ومعلوم أن أصل الداء فيما يحدث على هامش قمة “البريكس”، وأعني به دعوة زعيم الانفصاليين ابن بطوش، هو نسخة أخرى لما حدث في تونس بمناسبة مؤتمر تيكاد-8 في مثل هذا الشهر من السنة الماضية. كما أنه خلال الشهر المنصرم تجشمت وزيرة خارجية جنوب إفريقيا عناء التنقل إلى موسكو، في تبادل للأدوار مع الجزائر، في محاولة يائسة لإقناع الكرملين بحضور كيان تندوف إلى القمة الروسية الإفريقية التي انعقدت في شهر يوليوز المنصرم، ولكنها عادت “بخفي تَبّون” حتى لا أقول خفي حُنيْن.

ولا داعي لاستعراض كل السوابق والحوادث المماثلة التي جرت مع الاتحاد الاوربي وغيره، فقد قلنا مرارا وتكرارا وكتبنا في عدة مقالات أنّ النزيف لن يتوقف ما لم يتم طرد الكيان الوهمي من الاتحاد الافريقي. فعضوية المنظمة الافريقية هي ما يخول الكيان الوهمي الصفة لحضور مؤتمرات تخص حصرياً الدول ولا مكان فيها للتنظيمات. ولكن تقاعس وزارة الخارجية المغربية غير مفهوم بعد 6 سنوات من عودة المغرب إلى بيته الإفريقي، كما هو غير مفهوم قبولها بالأمر الواقع في ظل عدم اعتراف ثلاثة أرباع الدول الإفريقية بكيان تندوف الهُلامي.. ثمّ إن سياسة» ننتظر ونرى«wait and see غير مقبولة في ظل الحجج والقرائن القانونية الدامغة التي تمنع تنظيما انفصاليا من الجلوس مع دول مستقلة وذات سيادة في الاتحاد الإفريقي، فهذا الأخير يعتبر تجمعا للدول وليس ناديا للتنظيمات والحركات بغض النظر عن الاعتراف بمغربية الصحراء من عدمه.

والغريب في الأمر أنّ الاتحاد الإفريقي سارع هذا الأسبوع إلى تجميد عضوية النيجر إلى حين “استعادة النظام الدستوري”، وهو ما قام به مع دول عريقة ووازنة مثل مصر سنة 2013، وهذا في حدّ ذاته مدخل لاقتلاع جرثومة ليس لها لا نظام دستوري ولا حكومة منتخبة ديمقراطيا ولا انتخابات تعددية حرة ونزيهة، ولا حتى تعددية في الترشيحات لقيادة الجبهة الانفصالية. وأمامنا حالة المحجوب ولد لسالك الذي سُحبت منه أوراق الهوية التي تمنحها الجزائر بمجرد انتقاده لخط عصابة الرابوني، وتم منعه من العودة إلى المخيمات ومن الترشيح لمنافسة ابن بطوش، وفي ذلك أكبر دليل لمن احتاج إلى دليل على صَنميّة الجبهة الانفصالية ودكتاتوريتها الستالينية.

بل إن الاتحاد الإفريقي ينص في البروتوكول المكمل لميثاقه والمعروف بإعلان لومي على تجميد عضوية الدول الأعضاء التي تقوم بتغيير دستوري ينتهك مبادئ التداول الديمقراطي على السلطة! وإذا افترضنا جدلاً أن كيان تندوف دولة عضو كما تروج له البروبكاندا الجزائرية، فهل سمعتم يوماً في تندوف عن انتخابات حرة ونزيهة أو حكومة منتخبة أو برلمان منتخب أو أحزاب معارضة أو تداول على السلطة بشكل ديمقراطي؟ أليس هذا في حدّ ذاته مدخلاً قانونيا إضافيا لطرد الكيان الوهمي من الاتحاد الإفريقي؟

وما يزيد من حيرة المتابع فوق ذلك كله أن الخارجية المغربية لم تنفذ تعليمات العاهل المغربي الذي أكد في رسالة موجهة للقادة الأفارقة في يوليوز 2016 أن المغرب عاد إلى المنظمة الإفريقية “ليصحح الخطأ التاريخي”، وليس هناك من خطأ آخر ينبغي تصحيحه غير إقحام كيان لا يتوفر على شروط العضوية الخاصة بالدول المستقلة ذات السيادة، وهو ما لا يتوفر في كيان يزعم أنه دولة، والحقيقة الساطعة أنه مجرد تنظيم انفصالي يوجد فوق التراب الجزائري لخدمة أجندة النظام العسكري الجزائري إقليميّا ومحلياً.
فماذا تنتظر وزارة الخارجية للشروع في مسطرة تصحيح الخطأ وطرد الكيان الانفصالي رغم توفر كل الظروف الجيوسياسية والشروط القانونية؟! هذا هو السؤال الذي لازال لم يجد له جواباً..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *