مقاعد محجوزة في بيت الله!

بقلم – المصطفى اسعد :

لم يكن المسجد في يوم من الأيام مكانا للامتيازات أو للحجوزات المسبقة ، فمنذ فجر الإسلام، كان بيت الله فضاء تتجسد فيه أسمى معاني المساواة؛ يقف فيه الغني إلى جانب الفقير، والمسؤول إلى جانب العامل ، دون حواجز ولا امتيازات ، غير أن مشهدا أصبح يتكرر في كثير من المساجد اليوم يثير الاستغراب ويستدعي النقاش: ظاهرة حجز أماكن الصلاة، خصوصاً في الصفوف الأولى.

يدخل المصلي إلى المسجد قبل الصلاة بوقت كاف، فيجد الصفوف الأولى ممتلئة بسجادات أو قبعات أو أغراض شخصية، بينما أصحابها غائبون ، وكأن الأمر يتعلق بمقاعد في قاعة سينما أو حافلة سفر، لا بمكان عبادة يفترض أن يسوده النظام الطبيعي القائم على مبدأ بسيط: المكان لمن حضر.

هذه الظاهرة، وإن بدت للبعض عادية أو غير ذات أهمية، فإنها في الواقع تمس بجوهر القيم التي يقوم عليها المسجد.

الإسلام لم يربط فضل الصف الأول بالحيلة أو الحجز المسبق، بل بالحضور المبكر والمبادرة ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا” (رواه البخاري ومسلم) ، والحديث واضح في دلالته: السبق إلى الصف الأول يكون بالاجتهاد في الحضور، لا بوضع سجادة ثم المغادرة.

بل إن السنة النبوية شددت أيضاً على ضرورة انتظام الصفوف وسد الفراغات، حيث قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم : “سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة” (رواه البخاري ومسلم) ، غير أن ترك أماكن فارغة في الصفوف الأولى بسبب “الحجز” يخلق خللا في هذا التنظيم، ويضع المصلين في حرج لا داعي له.

الأمر لا يتوقف عند الجانب التنظيمي فقط، بل يمتد إلى البعد الأخلاقي ، فالمسجد مدرسة يومية لتربية النفس على التواضع والانضباط واحترام الآخرين ، وعندما يتحول الحرص على الصف الأول إلى نوع من “احتكار المكان”، فإن ذلك يفرغ العبادة من روحها ويحولها إلى سلوك أقرب إلى الأنانية منه إلى التنافس في الخير.

كما أن هذه الممارسات كثيرا ما تكون سببا في توتر غير مبرر داخل المساجد ، فكم من نقاشات حادة اندلعت بسبب سجادة موضوعة أو مكان “محجوز”، في مشهد لا يليق ببيت من بيوت الله، الذي يفترض أن يكون فضاءً للسكينة والوئام.

المسألة في النهاية ليست معقدة ، فالحل يكمن في العودة إلى القاعدة البسيطة التي عرفها المسلمون عبر القرون: من سبق إلى المكان فهو أحق به. لا حجز، ولا امتيازات، ولا أماكن مضمونة سلفا .

إن الحفاظ على روح المسجد مسؤولية جماعية ، والتخلي عن عادة حجز الأماكن ليس مجرد مسألة تنظيمية بسيطة، بل هو احترام لقيم العدل والتواضع التي ينبغي أن تسود في بيوت الله ، فالمساجد لم تبن لتقسيم الناس إلى أصحاب مقاعد وأصحاب أماكن متأخرة، بل لتجمعهم في صف واحد… صف العبادة الخالصة .

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *