فيضانات القصر الكبير… حين تحوّل الخطر إلى درس في الاستباق والتضامن

بقلم – المصطفى اسعد

لم تكن فيضانات القصر الكبير حدثًا عابرًا في سجل الكوارث الطبيعية، بل لحظة كاشفة أعادت طرح أسئلة قديمة جديدة حول علاقة الإنسان بالطبيعة، وحول قدرة الدولة والمجتمع معًا على تحويل المحنة إلى فرصة لإثبات الجاهزية والتلاحم.

تقع مدينة القصر الكبير في حوض وادي اللوكوس، أحد أكبر الأحواض المائية في المغرب، والذي يمتد على مساحة تُقدّر بحوالي 3700 كيلومتر مربع، ويُعد من أغزر الأودية من حيث الصبيب، خاصة خلال فترات التساقطات القوية. تاريخيًا، عرفت المنطقة فيضانات متكررة، بعضها مسجّل منذ القرن الماضي، ما جعلها ضمن المناطق المصنّفة عالية المخاطر من حيث الفيضانات.

خلال الأيام الأخيرة، شهدت المنطقة تساقطات مطرية استثنائية، تجاوزت في بعض المناطق المجاورة 100 ملم خلال أقل من 48 ساعة، وهو معدل يفوق المعدل الشهري المعتاد. هذا الارتفاع السريع في كمية الأمطار أدى إلى زيادة منسوب المياه بشكل مقلق، وخلق ضغطًا كبيرًا على قنوات الصرف والبنية التحتية.

غير أن الفارق هذه المرة ظهر في سرعة التفاعل. فبحسب معطيات أولية، تم تسجيل تدخل مصالح الوقاية المدنية والسلطات المحلية خلال الساعات الأولى، مع تعبئة عشرات العناصر والآليات، وإجلاء آلاف الأسر من المناطق الأكثر هشاشة، دون تسجيل خسائر بشرية تُذكر، وهو مؤشر مهم في تقييم نجاعة التدخل.

مقارنة بما وقع في بعض الدول الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، حيث تسببت فيضانات مماثلة في خسائر بشرية تجاوزت العشرات، وخسائر مادية بمليارات اليوروهات، يبرز النموذج المغربي في التعامل الاستباقي، خاصة على مستوى التحذير المبكر، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، رغم الفوارق الكبيرة في الإمكانيات والموارد.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال بعض الإكراهات البنيوية. فعدد من الأحياء المتضررة تقع في مناطق منخفضة أو بمحاذاة مجاري مائية، وتضم بنايات عشوائية أو قديمة، ما يطرح مجددًا سؤال التخطيط الحضري، وضرورة تسريع برامج إعادة الهيكلة، وتعزيز شبكات تصريف المياه التي لم تعد قادرة على استيعاب التحولات المناخية المتسارعة.

إلى جانب المجهود الرسمي، لعب المواطنون دورًا محوريًا. فقد شهدت المدينة مشاركة واسعة لمتطوعين، أغلبهم من الشباب، في عمليات المساعدة، وتقديم الدعم للأسر المتضررة. مبادرات فردية وجماعية وفّرت المأوى والغذاء والأغطية، في مشهد أعاد التأكيد على أن التضامن الاجتماعي لا يزال رصيدًا حقيقيًا في المجتمع المغربي.

قصص إنسانية كثيرة برزت في قلب الأزمة: مسنّ تم إجلاؤه رفقة أسرته بعد أكثر من 40 سنة قضاها في الحي نفسه، أمّ تم إنقاذ أطفالها في اللحظات الأخيرة، وشباب قضوا ساعات طويلة في الشوارع المغمورة بالمياه لمساعدة الجيران والسلطات. تفاصيل صغيرة، لكنها تحمل أثرًا كبيرًا في وجدان القارئ.

فيضانات القصر الكبير تذكّرنا بأن التغير المناخي لم يعد احتمالًا بعيدًا، بل واقعًا يفرض نفسه، وأن الاستثمار في الوقاية قد يكون أقل كلفة بكثير من تدبير الأزمات بعد وقوعها. لكنها، في المقابل، تقدم صورة إيجابية عن بلد يتعلّم من تجاربه، ويُراكم خبرة في إدارة المخاطر، مستندًا إلى مؤسسات تتحرك، ومجتمع لا يتخلى عن أفراده.

هي محنة بلا شك، لكنها أيضًا دليل على أن الاستباق والتضامن قادران على تقليص الخسائر، وحماية الأرواح، وفتح أفق أمل في مواجهة تحديات طبيعية اضحت واقعا معاشا .

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *