المغرب والخليج: تحالف الإرادة في مواجهة التغول الإقليمي

بقلم: البراق شادي عبد السلام

تفرز التطورات المتسارعة في مسرح الشرق الأوسط، والمتمثلة في الانتقال من حرب الوكالة إلى المواجهة المباشرة والاعتداءات الصاروخية التي طالت عواصم شقيقة، حاجة ملحة لإعادة قراءة المشهد الإقليمي وفق موازين القوة الجديدة؛ حيث يضع هذا المنزلق الخطير استقرار المنطقة على حافة صدام شامل يهدد السلم والأمن الدوليين. ومن ثم، يعكس هذا الواقع المأزوم صحة المقاربات السياسية للمملكة المغربية، والتزامها بحماية السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية التي تهدف إلى تقويض كيانات الدول عبر إثارة الفوضى، سيما في ظل تحول الصراع الإقليمي إلى تهديد مباشر لممرات التجارة العالمية وأمن الطاقة عبر ما يسمى حرب المضائق، وهو ما يجعل من حماية المصالح المشتركة ضرورة إستراتيجية تتخطى نطاق البعد السياسي لتشمل تأمين سلاسل الإمداد في مواجهة مشاريع تصدير الأزمات التي تتبناها السياسة الإقليمية الإيرانية كعقيدة ثابتة يحرسها نظام المرشد الأعلى لضمان بقاء مشروع التوسع العابر للحدود.

وبناء على ذلك، تبرهن الوقائع الميدانية التي بلغت ذروتها في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة، على صوابية القرار السيادي المغربي القاضي بقطع العلاقات مع طهران؛ إذ يظهر هذا الموقف بعد نظر العقل الإستراتيجي المغربي وقدرته على استشراف الأخطار قبل وقوعها، خاصة وأن هذا التقدير قام على قراءة دقيقة للمخططات الرامية لزعزعة كيانات الدول الوطنية عبر أذرع وميليشيات مسلحة تتبنى أيديولوجيات طائفية عابرة للحدود تندرج ضمن مخطط وحدة الساحات التخريبي الذي يشرف عليه فيلق القدس التابع لـ الحرس الثوري الإيراني. كما يعكس هذا الموقف رفضا مغربيا قاطعا للنزعة التوسعية للنظام الإيراني التي تسعى لفرض واقع جديد تحت عباءة الولي الفقيه عبر اختراق المجتمعات وتقويض أمنها الروحي، مع ثبوت تورط هذه الأجندات التخريبية في محاولات استهداف الوحدة الترابية للمملكة عبر دعم الحركات الانفصالية بالخبرات العسكرية والمسيرات، مما يجعل من التصدي لهذا النظام ضرورة وجودية، ويثبت صوابية الموقف المغربي الرافض لاستخدام أمن الخليج العربي ورقة ضغط أو مساومة في إطار الأزمة النووية أو الصراعات الجيوسياسية الكبرى التي تديرها غرف عمليات مقر خاتم الأنبياء المركزي.

إن القراءة الفاحصة للواقع الميداني، والتحليل العميق للتحركات الجيوسياسية في المنطقة، يكشفان عن وعي إستراتيجي مغربي لا يكتفي برصد المؤشرات السطحية، بل ينفذ إلى عمق العقيدة العسكرية والسياسية للممحور التوسعي؛ فإدراكنا لطبيعة عمل المنظومة الصاروخية الإيرانية وارتباطاتها التكتيكية بغرف عمليات فيلق القدس يعزز اليقين بأننا أمام مشروع يهدف إلى إحلال الفوضى الممنهجة بدلا من مفهوم الدولة الوطنية. ومن خلال متابعتنا الدقيقة لخرائط النفوذ والتدخلات الميدانية، يتضح أن استهداف أمن الخليج ليس فصلا معزولا، بل هو جزء من إستراتيجية خنق الممرات البحرية والتحكم في الجغرافيا السياسية للمنطقة، مما يجعل من قراءتنا للواقع الميداني والسياسي أداة استباقية لتحصين الأمن القومي المغربي في ارتباطه العضوي بأمن الأشقاء، بعيدا عن القراءات الكلاسيكية التي لا تدرك حجم التهديد الوجودي الذي يمثله مشروع الولي الفقيه على استقرار الشعوب العربية.

وفي استشرافنا لمستقبل المنطقة، نؤمن بأن إيران ما بعد نظام الولي الفقيه يمكن أن تتحول من مصدر للقلق الإقليمي إلى شريك في بناء الاستقرار، شريطة العودة إلى مفهوم الدولة الوطنية التي تحترم سيادة جيرانها وتتخلى عن تصدير الثورة والميليشيات. إن هذا التحول المنشود، الذي بات ممكنا اليوم بعد مقتل النرشد الأعلى علي خامنئي و كبار جنرالات الحرس الثوري وتصفية الصف الأول من القيادات المتشددة، يمثل النهاية الفعلية لعقود من التدخلات الدامية وتكريس الأيديولوجية الطائفية العابرة للحدود. حيث أن غياب هذه الرؤوس المدبرة وتفكيك الهيكل القيادي للحرس الثوري سيتيح للشعب الإيراني الاندماج في محيطه الطبيعي، ويفتح الباب أمام عهد جديد من التعاون الإقليمي القائم على المصالح الاقتصادية المشتركة بدلا من الصدامات الجيوسياسية. فتغليب منطق الدولة على منطق الثورة هو الممر الوحيد لتجنيب المنطقة ويلات الحروب الدائمة وتحقيق سلام دائم ينهي حقبة تصدير الأزمات والتدخل في الشؤون السيادية للدول العربية.

وفي هذا السياق المتصل، تأتي الاتصالات الهاتفية المكثفة التي أجراها جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم السبت، مع إخوانه قادة دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية، ودولة قطر، لتؤكد من جديد على محورية الدور المغربي في صيانة الأمن القومي العربي؛ حيث جدد جلالته إدانة المملكة الشديدة للاعتداءات السافرة التي استهدفت سيادة هذه الدول وسلامة أراضيها في ظل الأزمة الصاروخية المتصاعدة وتغول المنظومة الصاروخية الإيرانية التي باتت تهدد المدنيين والمنشآت الحيوية، مشددا بوضوح على أن أمن واستقرار دول الخليج العربي يشكلان جزءا لا يتجزأ من أمن واستقرار المملكة المغربية. حيث أن هذا الموقف الملكي الحازم، الذي اعتبر أي مساس بسلامة الأشقاء اعتداء خطيرا وغير مقبول وتهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي، يمنح الشرعية الكاملة لكافة الإجراءات المشروعة التي تتخذها هذه الدول للحفاظ على أمنها وطمأنينة مواطنيها، مما يرسخ مفهوم وحدة المصير خلف جدار دبلوماسي صلب يرفض أي اختراق لأمن المجال المشترك المغربي – الخليجي.

وتستمد هذه الشراكة قوتها من مرجعيات تاريخية صلبة، تجسدت في خطاب جلالة الملك محمد السادس خلال القمة المغربية الخليجية بالرياض في أبريل 2016، حيث أكد جلالته: “لقد تمكنا من وضع الأسس المتينة لشراكة استراتيجية، هي نتاج مسار مثمر من التعاون، على المستوى الثنائي، بفضل إرادتنا المشتركة. فالشراكة المغربية الخليجية، ليست وليدة مصالح ظرفية، أو حسابات عابرة. وإنما تستمد قوتها من الإيمان الصادق بوحدة المصير، ومن تطابق وجهات النظر، بخصوص قضايانا المشتركة.” انتهى الاقتباس.

وتتويجا لهذا المسار الإستراتيجي، يبرز التنسيق الوثيق والشراكة التاريخية التي تجمع المملكة المغربية بحلفائها وأصدقائها الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، كحجر زاوية في منظومة الاستقرار العالمي؛ حيث يجد الدعم المغربي الدائم لواشنطن مبرراته في الرؤية المشتركة لمواجهة التهديدات الهجينة والحد من النفوذ التخريبي الذي يمارسه الحرس الثوري الإيراني والقوى الإقليمية المارقة. وتتجاوز هذه العلاقة الاستثنائية حدود التعاون التقليدي نحو بناء جبهة صلبة قادرة على تأمين الممرات البحرية الحيوية ومكافحة الإرهاب العابر للحدود، وهو ما يترجمه الالتزام المغربي الموصول بالعمل جنبا إلى جنب مع الأصدقاء الأمريكان لصيانة النظام الدولي القائم على احترام السيادة، والتصدي بحزم لكل من يحاول العبث بتوازنات القوى في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا. إن هذا التحالف الثلاثي (المغربي-الخليجي-الأمريكي) لا يمثل محض خيار سياسي، بل هو صمام أمان جيوسياسي يضع حدا للأطماع التوسعية التي يغذيها فكر الولي الفقيه ويؤمن طريقا آمنا نحو رخاء اقتصادي محصن بقوة الردع المشترك في مواجهة حرب المضائق وكل ما يهدد الانسياب الآمن للطاقة من مقامرات طهران الإقليمية.

بناء على ما سبق، تستند العقيدة الدبلوماسية المغربية تجاه دول الخليج العربي إلى رؤية ملكية متبصرة تعتبر هذا الفضاء الجغرافي والسياسي العمق الإستراتيجي الحيوي للأمن القومي المغربي؛ فالتلاحم بين الرباط وعواصم الخليج ليس اصطفافا ظرفيا، بل هو عقيدة سيادية تترفع عن الحسابات العابرة لتلامس وحدة الوجود. إن المغرب يرى في قوة الخليج منعة له، وفي استقرار مؤسساته الملكية العريقة استمرارا لنموذج الدول الوطنية القوية التي تقف حائط صد أمام الفوضى والمشاريع الأيديولوجية الهدامة. هذه العقيدة تتجاوز الدعم الدبلوماسي لتصل إلى مستوى التماهي الكامل في المواقف الدفاعية والأمنية، إيمانا بأن الجغرافيا السياسية للمغرب تبدأ من أمن الخليج العربي، وأن أي اهتزاز في استقرار المشرق يجد صداه المباشر في أمن المغرب الأقصى.

على ضوء ما سبق يستمر المغرب في تعزيز مكانته كقوة إقليمية واعية توازن بين انتمائه القاري وشراكته العضوية مع الفضاء الخليجي عبر صياغة سياسة خارجية ترتكز على الوضوح والبراغماتية، وهو ما يترجمه حرص جلالة الملك على التواصل المباشر والدائم مع أشقائه قادة دول الخليج لترسيخ التضامن الموصول، بحيث تهدف هذه الرؤية الملكية إلى بناء فضاء متجدد يمتلك أدوات ملموسة لاحتواء الأزمات، بدءا من التنسيق الاستخباراتي والأمني الاستباقي لقطع الطريق أمام استنساخ نماذج الميليشيات الوظيفية التي يرعاها فيلق القدس، وصولا إلى التكامل الاقتصادي الذي يجعل من المغرب بوابة إستراتيجية للاستثمارات الخليجية. وفي الختام، يفرض استمرار التجاذبات الدولية الحادة ضرورة التمسك بمبدأ سيادة الدول كخيار إستراتيجي وحيد لضمان الأمن القومي، بعيدا عن مشاريع المرشد الأعلى التي تسعى لتصدير النزاعات، وبناء عليه تظل المملكة المغربية ركيزة أساسية في أي منظومة أمنية تهدف لتحقيق السلام، مع التأكيد على أن قوة هذا المحور تكمن في وحدة المواقف والقدرة الجماعية على حماية المصالح العليا ضد كل من يسعى لانتهاك حرمة الحدود أو توظيف أمن الشعوب في أجندات توسعية غريبة عن المنطقة.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *