الصحراء المغربية بين الواقعية الجيوسياسية ونهاية توازنات الحرب الباردة .. كيف فرضت الأطروحة المغربية معادلة جديدة

بقلم – المصطفى اسعد **
ليس ما جرى هذا الأسبوع في ملف الصحراء مجرد حراك دبلوماسي عابر، بل هو مؤشر على تحول جيوسياسي أعمق يعيد رسم موازين القوة في شمال إفريقيا. فالصراع المغربي الجزائري، الذي ظل لعقود امتدادا لصراعات الحرب الباردة ومنطق الاصطفاف الإيديولوجي، بدأ يدخل مرحلة جديدة عنوانها الواقعية الاستراتيجية، حيث انتقلت المبادرة تدريجيا إلى المحور المغربي الأمريكي داخل النظام الدولي.
نهاية مرحلة… وبداية هندسة توازن إقليمي جديد
طوال عقود، عاش النزاع على إيقاع توازن جامد: المغرب يطرح حلاً سياسياً تدريجياً، مقابل أطروحة تقرير المصير بصيغتها التقليدية المدعومة من الجزائر. لكن التحولات العالمية بعد 2020 صعود التنافس بين القوى الكبرى، وأولوية الاستقرار الإقليمي، وأمن الطاقة والهجرة وأزمة كورونا جعلت القوى الغربية تعيد تقييم النزاعات المزمنة وفق معيار واحد: أي حل يمكن تطبيقه فعلياً؟
هنا تحديداً برزت قوة المقاربة المغربية ، فبدلا من طرح نظري يصعب تنزيله ميدانيا ، قدمت الرباط مشروع الحكم الذاتي كصيغة وسط تجمع بين السيادة والاستقرار المحلي، وهو ما انسجم مع توجهات مجلس الأمن التي باتت تؤكد على صيغة “حل سياسي واقعي ومتوافق عليه”.
هذا التحول اللغوي داخل الأمم المتحدة ليس تفصيلاً قانونيا ، بل انعكاس مباشر لتحول ميزان القوة الدبلوماسية.
الولايات المتحدة: من وسيط إلى مهندس الحل
التحرك الأمريكي الأخير، عبر جمع الأطراف المعنية بالمفاوضات وإعادة إطلاق المسار السياسي، يعكس انتقال واشنطن من دور المراقب إلى دور صانع التوازنات الإقليمية. فالولايات المتحدة تنظر اليوم إلى شمال إفريقيا من زاوية استراتيجية أوسع:
- تأمين الممرات الأطلسية والمتوسطية،
- تعزيز الاستقرار في الساحل الإفريقي،
- مواجهة التمدد الروسي والصيني في إفريقيا،
- ومنع تشكل بؤر توتر جديدة قرب أوروبا.
ضمن هذا المنطق، أصبح المغرب شريكاً استراتيجياً أكثر انسجاماً مع الرؤية الغربية للأمن الإقليمي، بفضل استقراره السياسي وشراكاته الأمنية والاقتصادية المتعددة وموثوقيته.
وبالتالي، فإن دعم واشنطن لمقترح الحكم الذاتي لا يقرأ فقط كقرار سياسي، بل كخيار جيوستراتيجي يهدف إلى إغلاق ملف نزاع طويل يعيق إعادة تشكيل المنطقة.
تحول مفهوم الشرعية الدولية
الجديد في المرحلة الحالية أن الشرعية الدولية لم تعد تُبنى على النصوص التاريخية وحدها، بل على قابلية الحل للتنفيذ. فداخل مجلس الأمن، تراجع الحديث عن سيناريوهات قصوى لصالح مقاربة تدريجية تقوم على التفاوض والحكم الذاتي.
هذا التحول يعكس تطوراً أعمق في القانون الدولي نفسه: الانتقال من منطق تصفية الاستعمار الكلاسيكي إلى منطق إدارة النزاعات المعقدة عبر حلول سياسية مرنة. وبذلك، أصبحت المبادرة المغربية تتقاطع مع الاتجاه العام للأمم المتحدة في تسوية النزاعات الممتدة.
الجزائر ومعضلة الجغرافيا السياسية
في المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة جيوسياسية أكثر صعوبة. فالنظام الدولي الجديد لم يعد يمنح نفس الوزن للتحالفات الإيديولوجية القديمة، بينما أصبحت الأولوية للشركاء القادرين على تقديم الاستقرار الإقليمي.
تعتمد الجزائر تقليدياً على خطاب مبدئي مرتبط بحق تقرير المصير، غير أن البيئة الدولية الحالية تميل إلى الحلول التي تمنع تفكك الدول وتحدّ من بروز كيانات هشة في مناطق حساسة أمنياً. ومع تصاعد الأزمات في الساحل وليبيا، باتت القوى الكبرى أكثر حذراً من أي سيناريو قد يخلق فراغاً سياسياً جديداً.
والنتيجة أن هامش الدعم الدولي للموقف الجزائري أصبح أضيق، ليس بالضرورة بسبب تغير المواقف المعلنة، بل بسبب تغير أولويات العالم نفسه.
صراع نماذج لا صراع حدود
القراءة الجيوسياسية الأعمق تكشف أن النزاع لم يعد فقط حول الأرض، بل حول نموذجين إقليميين:نموذج يقوم على الاندماج الاقتصادي والانفتاح والشراكات الأمنية الدولية.
ونموذج آخر يرتكز على توازنات تقليدية وسيادة أمنية مغلقة.
ومع تحول إفريقيا إلى ساحة تنافس عالمي على النفوذ والاستثمارات والطرق التجارية، تميل القوى الكبرى إلى دعم النموذج الأكثر قابلية للاندماج في الاقتصاد العالمي.
لماذا يعد ما حدث هذا الأسبوع لحظة مفصلية؟
لأن النقاش الدولي لم يعد يسأل: ما هو الحل الممكن نظرياً؟
بل أصبح يسأل: كيف يمكن تنفيذ الحل المطروح فعلاً؟
وحين تصل المفاوضات إلى هذه المرحلة، فإن الإطار الذي يدور داخله التفاوض يصبح هو المنتصر الحقيقي واليوم، يبدو أن هذا الإطار هو الرؤية المغربية المدعومة أمريكيا ، والتي نجحت في نقل الملف من جدل قانوني مفتوح إلى مسار سياسي محدد المعالم.
الخلاصة: انتصار الواقعية على الجمود
التاريخ الدبلوماسي يظهر أن النزاعات الطويلة لا تنتهي عندما يغير أحد الأطراف موقفه، بل عندما يتغير النظام الدولي نفسه ، وما يحدث حالياً في ملف الصحراء يعكس هذا التحول بالضبط.
لقد نجحت الرباط، بدعم أمريكي واضح، في مواءمة أطروحتها مع التحولات الكبرى في السياسة العالمية: الاستقرار قبل الشعارات، والتنفيذ قبل التنظير، والتوازن الإقليمي قبل الصراعات المفتوحة.
وفي عالم تحكمه المصالح الاستراتيجية أكثر من الخطابات، غالباً ما ينتصر المشروع الذي يقدم للعالم حلا يمكن العيش معه لا حلًا مثالياً يصعب تحقيقه ، وهذا ما جعل الأطروحة المغربية تبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى أن تصبح الإطار النهائي لتسوية النزاع .
** رئيس المركز المغاربي للإعلام والديمقراطية ومدير نشر المغرب الآن .



