“أولاد ميمون”.. سوق يأكل أبناءه

ناظورسيتي: متابعة

من حق تجار سوق أولاد ميمون بالناظور أن يحتجوا، ومن حقهم أن يطالبوا بتنظيم الفضاء التجاري، وأن يعبروا عن تخوفهم من الحرائق أو من تراجع الحركة التجارية. لكن ما ليس من حق أحد هو أن يختزل الأزمة في الحلقة الأضعف، وكأن “الفراشة” هم أصل كل مشاكل السوق.

المفارقة الصارخة أن بعض الأصوات التي تتحدث اليوم عن “احتلال” الطريق وعرقلة حركة المتسوقين، هي نفسها التي لا تتردد في إخراج بضائعها إلى الأرصفة، والاستيلاء على أجزاء واسعة منها، بل وتمتد في حالات كثيرة إلى جزء من الشارع العام، سيما في الزنقة 10، في مشهد أصبح مألوفًا لكل من يزور السوق. فكيف يستقيم أن يطالب من يحتل الرصيف بتحرير الطريق من غيره؟

والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض التجار اعتبروا أن الحريق الأخير كاد يتسبب في تشريد مئات الأسر التي تعيش من التجارة داخل السوق، وهو تخوف مشروع لا يختلف حوله اثنان، لكن هل فكر أصحاب هذا الطرح، ولو للحظة، أن إبعاد مئات هؤلاء “الفراشة” دون توفير بديل حقيقي يعني أيضًا قطع أرزاق مئات الأسر الأخرى التي تعيش من تلك التجارة منذ سنوات طويلة؟

إذا كان هؤلاء الباعة غير قانونيين، فأين كانت الجهات المكلفة بالتنظيم طوال هذه السنوات؟ وكيف تحول وجودهم إلى واقع استمر لعقود، قبل أن يصبح اليوم، فجأة، مصدر كل الأزمات؟ أليس من واجب السلطات، قبل أي حملة أو إبعاد، أن توفر فضاءات بديلة تحفظ كرامة هؤلاء وتضمن لهم مصدر عيش، بدل نقل الأزمة من شارع إلى آخر؟




إن تحميل “الفراشة” وحدهم مسؤولية الحرائق أو الفوضى أو ما دون ذاك، هو تبسيط مخل لواقع أكثر تعقيدًا. فالفوضى لا يصنعها طرف واحد، بل تنتج عن غياب رؤية حقيقية لتنظيم الفضاء العام، وعن تراكم سنوات من التساهل مع مختلف أشكال احتلال الملك العمومي، سواء صدرت عن بائع متجول أو عن محل تجاري نظامي.

واللافت أن عددا من المحلات التجارية نفسها تجاوزت حدود واجهاتها، وحولت الأرصفة إلى امتداد دائم لنشاطها التجاري، حتى أصبح جل المارة يعتقدون أن هذه المحلات دون أرصفة تذكر حتى، في مخالفة واضحة لحق الراجلين في استعمال الرصيف. وإذا كان المبدأ هو احترام القانون، فإنه ينبغي أن يطبق على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.

المطلوب اليوم ليس حربًا بين التاجر النظامي والبائع الجائل، ولا محاولة كسب التعاطف عبر تصوير طرف باعتباره الضحية الوحيدة. المطلوب هو قرار شجاع يعيد النظام إلى السوق، ويحرر الملك العمومي من كل أشكال الاستغلال غير المشروع، مع توفير بدائل تحفظ كرامة الباعة الجائلين وتحمي أرزاقهم، تماما كما تحمي مصالح أصحاب المحلات.

فالقانون لا يتجزأ، والعدل لا يكون باقتلاع رزق فئة لحماية أخرى، وإنما بتنظيم الجميع وفق قواعد واحدة، تطبق على الجميع دون استثناء.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *