استغلال رقمي بقناع البراءة.. الأطفال المغاربة بين الشهرة الافتراضية وانتهاك الخصوصية

في زاوية غرفة مضاءة بالكامل، يقبع طفل بالكاد تجاوز عمره الخامسة، يواجه هاتفا مثبتا فوق كومة من الكتب والعلب الكارتونية، في وقت تتوسل فيه عيناه قبولا واستحسانا من طرف والدته، التي تهمس له بنبرة حادة من الخلف: “عاود.. وهضر بالجهد… الناس خاصهم يضحكو”.
الطفل الذي كان يعتبر الأمر بمثابة لعبة مسلية لا أكثر، لم يكن على دراية بأن هذا المقطع القصير الذي يقوم بتصويره سيبث أمام ملايين المشاهدين، وسيتم تداوله بشكل واسع على مختلف منصات التواصل، وسيخلف ردود فعل مختلفة بين المنتقدين والمعجبين.
لم يكن الطفل يعي بأن مواجهته للكاميرا والتصرف بعفوية مليئة بالبراءة ستجعل منه يوما “نجما صغيرا” كل مهاراته تتجلى في ضحكاته الطفولية وكلماته التي لا يدرك في غالب الوقت معانيها.
في المغرب، كما في دول كثيرة، تتزايد ظاهرة استغلال الأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون أن يواكبها أي وعي مجتمعي بأضررها على نفسية الأطفال وعلى تنشئتهم، مما يستوجب حماية قانونية فعالة من شأنها الحد من تحويل الصغار إلى وسيلة لتضخيم الأرباح.
وفي هذا الإطار، أكدت بشرى المرابطي، الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن هناك مجموعة من الفئات تُعتبر جاذبة بشكل لافت على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحظى بمعدلات مشاهدة مرتفعة. ومن بين هذه الفئات: الأشخاص ذوو الإعاقة، كبار السن، من يعانون من تشوهات خلقية أو مكتسبة، والأطفال، مبرزة أن الخلافات الزوجية والمشاكل العائلية التي تُنشر على هذه المنصات تُعدّ أيضًا من المحتويات التي تستقطب اهتمام الجمهور.
وبخصوص أسباب مشاركة الأطفال بكثرة في محتويات وسائل التواصل، أوضحت المرابطي، في تصريح خصت به “كشـ24” أن الأطفال، على وجه الخصوص، يمتلكون جاذبية طبيعية تنبع من براءتهم وتلقائيتهم وقدرتهم العفوية على الانخراط في الحياة الاجتماعية. هذه الصفات تجعلهم محط اهتمام وفضول المتابعين، وتجعل لتفاعلهم وقعًا مختلفًا عن الكبار. فالنصيحة التي تصدر من طفل، أو حتى تعليقه البسيط، غالبًا ما يترك أثرًا أعمق من مثيله الصادر عن شخص بالغ.
وأشارت الأخصائية النفسية إلى أن هذه الجاذبية جعلت من الأطفال مادةً مفضّلة للاستغلال، حتى في مجالات كالاستجداء أو “السعاية”، حيث يُنظر إليهم كوسيلة فعّالة لجذب التعاطف والمساعدة. وهذا النمط من الاستغلال بدأ يمتد بشكل مقلق إلى الفضاء الرقمي، لا سيما على منصات مثل يوتيوب وتيك توك، حيث تحقّق القنوات التي يظهر فيها أطفال بمحتوى مُهين أو مثير للشفقة، نسب مشاهدة عالية، وتفاعلات كبيرة تشمل الإعجابات والهدايا الرقمية.
وذكرت المتحدثة لـ”كشـ24″ أن هذا الواقع دفع العديد من الأسر إلى استغلال أطفالها في إنتاج محتوى رقمي، أحيانًا عن وعي وأحيانًا بجهل لعواقب ذلك، بهدف تحقيق الربح المادي. وفي كثير من الحالات، تكون هذه الأسر قد جرّبت وسائل أخرى للحصول على دخل دون أن تحقق المردودية المرجوة، فتتجه إلى استخدام أطفالها كمصدر للربح.
ولفتت الباحثة في علم النفس الاجتماعي أن هذه الظاهرة تُعبّر عن محاكاة جماعية خطيرة، حيث تبدأ بعض الأسر بتقليد غيرها دون وعي أو إدراك للآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على الأطفال، معتبرة أن هذه الأسر تفتقر إلى الرغبة في بذل الجهد، ويكون سُلّم القيم لديها مقلوبًا، حيث تتصدّر القيمة المادية كل شيء، حتى على حساب الكرامة والمسؤولية تجاه الأبناء.
ونبهت إلى أن بعض هذه الأسر، التي تستغل أبناءها رقميًا اليوم، هي نفسها التي كانت تُقدّمهم في الماضي للتسول أو قد تُقدّمهم لاحقًا لأشكال أخرى من الاستغلال، بما فيها الاستغلال الجنسي. وأكدت أن هذه الممارسات تكشف عن “بروفايلات” أسرية خاصّة، تعاني من اختلالات عميقة في البناء القيمي والأخلاقي.
وبخصوص ولوج الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، ذكرت بشرى المرابطي أنه في الوقت الحالي، أصبح بإمكان الأطفال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بسهولة، لأن العديد من الأسر توفّر لهم هواتف ذكية منذ المرحلة الابتدائية، مما يسهل عليهم الولوج إلى هذه المنصات في سن مبكرة.
وأضافت أن هذا الاستخدام المبكر لا يتم دائمًا بمبادرة شخصية من الطفل، بل غالبًا ما تكون الأسرة نفسها منخرطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تشجيعه ورعايته للظهور على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشارت الأخصائية إلى أن هذا الظهور المبكر يشكّل خطرًا على الأطفال، لا سيما على مستوى نموهم النفسي والاجتماعي السليم، حيث لا يعيش الطفل بناءً على أفكاره أو رغباته الخاصة، ولا يُطوّر أدوارًا شخصية مستقلة، بل يعتاد أن يعيش وفقًا لردود فعل الجمهور: كم عدد “الإعجابات”؟ ومتى زادت أو نقصت؟ وما طبيعة التعليقات المكتوبة؟
وهنا نبهت المرابطي إلى نقطة محورية، وهي أن الطفل يبدأ في بناء ذاته وصورته الشخصية بناءً على نظرة الآخرين، وليس على قناعاته الداخلية، فتصبح “صورة الآخر” هي المحدد لهويته، ومع مرور الوقت تُمحى إرادته، وتُهمّش رغباته، وحتى حاجاته النفسية والعاطفية لا تجد من يلبيها بشكل سليم.
وتابعت الأخصائية بالقول إن الشهرة المبكرة تُعدّ من أخطر ما يمكن أن يتعرض له الطفل نفسيًا. واستشهدت بحالات لمشاهير خاضوا تجربة الشهرة في سن مبكرة، وانتهى بهم الأمر إلى تعاطي المخدرات، نتيجة الضغط النفسي الناتج عن محاولاتهم المستمرة لإرضاء الجمهور، والحفاظ على نسب المشاهدات.
وأضافت لـ”كشـ24″ أن هذا النوع من العيش، الذي يقوم على “إرضاء الآخر”، يخلق فراغًا نفسيًا كبيرًا، يدفع الطفل أو المراهق لاحقًا إلى البحث عن وسائل لإسكات الألم الداخلي، وغالبًا ما تكون هذه الوسائل مدمّرة، مثل الإدمان.
وأكدت مصرحتنا أن من بين أخطر التبِعات النفسية لهذا النمط من الحياة: القلق، الاكتئاب، واضطرابات الشخصية، مثل الشخصية الحدّية أو الاستعراضية، لأن الطفل يتعوّد أن يستمد تقديره لذاته فقط من الآخرين، وليس من قناعاته أو إنجازاته الخاصة.
كما نبّهت بشرى المرابطي أيضًا إلى خطر آخر، وهو “تضخم الذات”، حيث يبدأ الطفل في تصوّر ذاته بشكل مبالغ فيه نتيجة الثناء الزائد والمتابعة المستمرة، فيفقد القدرة على تقييم نفسه بواقعية، ويعيش في صورة متضخمة لا تعكس حقيقته.
وشددت الأخصائية على أن كل هذه الآثار النفسية قد تنعكس بشكل خطير على مستقبل الطفل، سواء في تحصيله الدراسي أو في اكتساب المهارات الحياتية، بل قد يصل به الأمر إلى ترك التعليم، أو عدم الاندماج في سوق العمل، معتقدًا أن العالم الرقمي هو مجاله الوحيد. وحين تتراجع نسب المشاهدة والتفاعل، يتعرّض لصدمات نفسية شديدة قد تؤدي إلى اضطرابات أعمق وأكثر تعقيدًا.
وأضافت أنه، وفي زمن المنصات الرقمية، أصبحت الخطورة الاجتماعية تكمن في أن مجرد كلمة مؤثرة يمكن أن تصنع من صاحبها “مؤثرًا”، حتى وإن لم يكن يملك خلفية معرفية أو تخصصًا معينًا. فبمجرد أن يحقق الشخص نسبة مشاهدة مرتفعة أو قاعدة جماهيرية، يُمنح ضمنيًا سلطة الكلام في كل المواضيع.
وتابعت أنه ومن هذا المنطلق، بدأنا نلاحظ أن الكثير ممن يُطلق عليهم “صنّاع المحتوى” أصبحوا يتدخلون في قضايا لا يملكون فيها أي معرفة أو دراسة، بل حتى أحيانًا لا يفقهون أساسياتها.
وأبرزت المرابطي أن الأمر لا يتوقف عند حدود الجهل بالموضوع، بل يتجاوزه إلى الإصرار على إبداء الرأي، فقط لأن الحدث حاضر بقوة في الساحة، ولأن الجميع يتحدث عنه. فالمؤثر إن صح الوصف، يشعر أنه مضطر للحديث، لأن الصمت قد يعني خسارة مشاهدات أو تراجعًا في التفاعل.
ولعل الأخطر في هذا السياق أن هؤلاء المؤثرين، حتى عندما لا يكون لهم سوى عدد قليل من المعجبين، فإن تأثيرهم لا يُستهان به. إذ غالبًا ما يكون بين المتابعين أطفال أو مراهقون يتأثرون بشكل كبير بما يُقال، فيُكوِّنون بناءً عليه مواقف وآراء، تضيف المتحدثة.
ومع مرور الوقت، أبرزت المرابطي أن هذا التأثير يتحول إلى نوع من المرجعية غير الواعية، حيث يُنظر إلى هؤلاء المؤثرين على أنهم نماذج يُحتذى بها في التفكير، واتخاذ القرار، بل وحتى في رسم الرؤية الشخصية تجاه العالم، مشيرة إلى أن هذا كله لا يؤثر فقط على هوية المؤثر نفسه، والتي قد تكون مشوشة أصلاً، بل ينعكس أيضًا بشكل مباشر على بناء وعي المتابعين، خصوصًا من الفئات العمرية الصغيرة، الذين هم في طور التكوين النفسي والمعرفي.
وأكدت أن استغلال الأطفال في مواقع التواصل الاجتماعي يعتبر انتهاكا صريحا لحقوق الطفل، وخصوصيته، ومراحل نموه الطبيعية، فالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، لا سيما اتفاقية حقوق الطفل، واضحة وصريحة في هذا المجال. ومن هنا، يُفترض أن تتحمّل الدولة المغربية مسؤوليتها كاملة، وأن تكون أكثر حزمًا في ضبط هذا الفضاء، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال.
وقالت الباحثة في علم النفس الاجتماعي: بالنسبة لي – ومن منظور نفسي وتنموي – أرى أن العمر المناسب للتعرض لمواقع التواصل الاجتماعي يجب أن يكون 25 سنة فما فوق. فقبل ذلك، لا تزال الشخصية في طور التشكل، وأي تدخل خارجي غير منظم قد تكون له كلفة مادية ونفسية واجتماعية باهظة، سواء على الفرد نفسه أو على الأسرة والمجتمع ككل.
ولفتت أنه إذا سمحنا لهؤلاء القاصرين بولوج منصات خطرة، في مرحلة عمرية حساسة، فنحن نغامر فعليًا بمستقبلهم. وهذا ما يجعلنا نؤكد أن الأمر ليس فقط مسؤولية الدولة، بل هو كذلك مسؤولية الأسرة والمجتمع برمته.
ومن هنا، تبرز ضرورة إحداث قوانين ناظمة، تكون قوية وفعالة وقادرة على حماية الأطفال من هذا الانكشاف المبكر. لا بد من تشريعات تمنع وتراقب وتنظم دخول الأطفال إلى هذا العالم الرقمي، وتقلل من مخاطره، تضيف المرابطي لـ”كشـ24″
وفي هذا السياق، تتابع المتحدثة، يمكننا الاستفادة من تجارب دول سبقتنا، مثل الصين، التي سنّت قوانين صارمة في هذا المجال، سواء من حيث تحديد السن المسموح به للولوج إلى مواقع التواصل، أو من خلال التحكم في عدد الساعات المسموح بها للاستخدام، أو عبر فرض قيود تقنية على المنصات نفسها.
وختمت الاخصائية تصريحها بالقول: “إذا أردنا أن نستبق المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات، فعلينا أن نقتدي بهذه التجارب الناجحة، وأن نضع الطفل في صلب الاهتمام، لا كمستهلك للمنصات، بل ككائن يحتاج إلى الحماية والرعاية والتوجيه”.
وجدير بالذكر أن وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أكد إن مكونات الأغلبية الحكومية تناقش مشروع قانون يهم منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل الخطر الذي يهدد سلامة الأطفال في الفضاء الرقمي.
وأبرز الوزير إن الموضوع يهم جميع المؤسسات والأسر، مشيراً إلى أن الوزارة “منخرطة بشكل جاد لتحسين هذه الوضعية من خلال حملة تحسيسية تجوب دور الشباب”، وذلك بتنسيق مع اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.



